دور الحديث النبوي الشريف في توسعة نطاق النثر العربي

دور الحديث النبوي الشريف في توسعة نطاق النثر العربي

نال النثر العربي في محيط الجزيرة العربية رواجاً عاماً وانتشاراً مدهشاً في كل جانب من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية وبلغ قمّة التطور والازدهار إذ أن أعظم وأهم العوامل الباعثة على هذه النهضة الأدبية والنثرية الحاسمة في المجتمع العربي المليئ بإنشاد الشعر وقريض الشعراء كان بزوغ شمس الإسلام الساطعة الوهاجة حاملة رسالة الهداية والسعادة للبشرية جمعاء ونداء رسول الإسلام عليه الصلاة و السلام من قرن جبل فاران بمكة المكرمة يا صباحاه وقولته المدوية المجلجلة “يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”، ونزل القرآن الكريم في ثوب نثري محكم متين من البيان المعجز الرائع.

وكان هذا الانقلاب الجوهري والحركة الإسلامية الضاربة بكل منكر وباطل في أمس حاجة إلى بث أفكارها ونشر مبادئها وتقديم مناهجها في المجتمع البشري مع تقويض المبادئ الجاهلية واجتثاث أسسها وفحص زيفها وتشخيص فسادها ودحض أوزارها ومكافحة أتباعها ومجادلة معتنقيها بالدلائل القاطعة والحجج الساطعة وتزييف مزاعمهم الباطلة إلى النثر السلسال والكلام المرسل السهل الممتع وفي الواقع كان النثر بهذا المقام أقدر وسيلة وأهمّ أداة للقيام بهذه الوظائف الربانية والمسئوليات الدعوية المزدوجة، ومن هنا أصبحت الخطابة والبيان بأسلوب سهل جذاب وسيلة مهمة وأداة فعالة لنشر الدعوة الإسلامية العالمية والصدع بما جاء القرآن الكريم من أوامر الله سبحانه وتعالى وكان رسولنا العربي محمد صلى الله عليه وسلم قد مكث ثلاثة عشر عاماً بمكة المكرمة يدعو الناس إلى دين الإسلام وينافح عن حظيرة الإسلام وحوزته ولا يكاد ينسح له فرصة أو مناسبة ملائمة – إلا ويقوم في الناس من بين أبناء عشيرته أو غيرهم ويتحدث بالخطب البليغة والكلمات الساحرة تفسيراً للقرآن الكريم وتأويلاً لوحيه وكان ذلك بالنثر العربي البليغ والكلام المرسل الفصيح يفهمه كلٌ من الداني والقاصي وبالتالي وجد النثر العربي مجالاً واسعاً للانتشار والذيوع ولا سيّما عندما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ويتحدث بكل أمير الركب:

“ويقول صلى الله عليه وسلم لا أكره أحداً منكم على شئ بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلّغ رسالة ربي فلا يقبله أحد بل يقولون: قوم الرجل أعلم به”(1).

ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ) في فتح الباري شرح صحيح البخاري ما رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث جابر:

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول هل من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً منعوني أن أبلّغ كلام ربي، فأتاه رجل من همدان فأجابه ثم خشي أن لا يتبعه قومه فجاء إليه فقال آتي قومي فأخبرهم ثم آتيك من العام المقبل، قال نعم فانطق الرجل وجاء وفد الأنصار في رجب”(2).

وتعاظمت أهمية هذه الخطب الرائعة والبيان الساحر بعد الهجرة النبوية التاريخية التي غيرت مضمار الحياة وأحدثت ثورة عارمة في كل شعبة من شعب الحياة الفردية والجماعية وغيرت مجرى التاريخ لو اجتمعت أقلام أدباء البشرية بأجمعهم وأقبل جلّ كتّاب هذه الكوكبة الأرضية من كل ملة ونحلة ولغة ولسان على الوصف والبيان لما استطاعت وصفها وبيان روعتها وجمالها وجلالها فتعددت دواعي الخطابة والكتابة وكثرت أغراضها وازدوجت حاجياتها مسئولياتها، فكانت خطب الرسول عليه ألف ألف تحية وسلام تتحدث في بيان مبادئ الإسلام وسلوكياته وتعبر عن رسالته العالمية وفضلها ومنتها على البشرية جمعاء كما كانت هذه الخطب والأقوال المصطفوية تسلط الضوء على بيان أنظمة الدولة الإسلامية القائمة في مهجر الرسول صلى الله عليه وسلم.

كانت هذه الوحدة اللغوية التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهم أسباب تيسير مهمة الدعوة الإسلامية وسرعة انتشار الإسلام فيها ومخاطبة الوحدات العربية المنتشرة، في لغة واحدة هي اللغة العربية الفصحى وبكتاب واحد هو القرآن العربي المبين.

وقدم في المدينة المنورة وهي مهجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم العدد الهائل لا يأتي عليه الحصر من الوفود والسرايا ولم يعد موكباً وإنما صار طوفاناً من البشر ولجّاً طامياً من الناس، الأمر الذي أدى إلى تهذيب اللغة العربية ورواج النثر العربي وكان هذا النثر الفياض الزاخر بكلمات متدفقة باليقين الراسخ والإيمان المحكم ومتلاطمة بالحب والحنان والرحمة والنصح للناس جميعاً يؤدي وظيفتها في توجيه الناس وتوعية الوفود البشرية وحث المجاهدين المناضلين من أجل نشر رسالة الإسلام وإعلاء كلمة الله في الأرض حين هبت ريح الإيمان والإسلام في بقاع الجزيرة العربية وكان النثر العربي المرسل من خلال ذلك المناخ الواسع يتقدم ويزدهر ويسود الجو العربي ويتخلى عن السجع والقافية.

يقول سماحة الشيخ سيد أبو الحسن علي الحسني الندوي في السيرة النبوية:

“كانت هذه الوحدة اللغوية التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهم أسباب تيسير مهمة الدعوة الإسلامية وسرعة انتشار الإسلام فيها ومخاطبة الوحدات العربية المنتشرة، في لغة واحدة هي اللغة العربية الفصحى وبكتاب واحد هو القرآن العربي المبين”(3).

ويقول الأستاذ إبراهيم عبد الخالق:

“كان الغالب على العرب قبل الإسلام الأمية وعند ظهور الإسلام فشت الكتابة وكثر الكتاب للحاجة إلى تدوين الوحي والرسائل التي كان يبعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء وإن انصرفت نفوس القوم يومئذ عن تدوين علومهم في الكتب وعوّلوا على تسطيرها في صحائف ذاكرتهم، وقد كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من الصحابة وقد أمر بعد غزوة بدر من لم يكن له فداء من الأسرى أن يعلم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة(4).

ثم انصرف العرب عن ذلك – أي عن الشعر – أول الإسلام بما شغلهم من أمور الدين والنبوة والوحي، وبما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زماناً.

عندما ننظر إلى أوائل المؤمنين بالإسلام نجد كثيراً منهم كتّاباً مثل الخلفاء الراشدين الأربعة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعيد بن أبي وقاص وعامر بن فهيرة ومعيقيب بن أبي فاطمة وحذيفة بن اليمان وغيرهم وهكذا تيسر للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجد حوله جماعة من الكتاب يدونون له ما يمليه عليهم من آيات القرآن الكريم واشتهر جماعة من الصحابة بكتابة الوحي على رأسهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب فإن غابا كتب أبي بن كعب وزيد بن ثابت(5)، كما اشتهر بها أيضاً معاوية بن أبي سفيان(6).

ويستطرد الأستاذ متحدثاً عن النثر العربي عند مجئ الإسلام فقال:

إن سنة النمو تشمل اللغات كما شملت المخلوقات، فالنثر قد بلغ في ابتداء الإسلام مبلغاً من الكمال والاتساع في وجوه الاستعمال وحسن العبارة لفظاً وأسلوباً بما اكتسبه القوم من بلاغة القرآن والجري على محكم أسلوبه وبما حركوا إليه هممهم من الفتوحات واختلاطهم بالأمم المتمدنة فرقت بذلك عواطفهم ولانت طباعهم وذهبت عنهم الوحشة والتعمق في التراكيب والمعاني وتغيرت أساليبهم التي كانوا يتوخونها أيام جاهليتهم(7).

ويقول الدكتور محمد بن حسن الزير وهو يتحدث عن تطور اللغة العربية وازدهار الكلام المرسل وخروج العرب الأولين في ظل الإسلام عن الصنعة والتكلف والسجع إلى السهولة واللين فيقول:

“وقد زخرت الحياة الأدبية في ظل الإسلام بفيض مديد من العطاء الأدبي الخالد، وكان أثر الإسلام في ذلك الأدب واضحاً، حيث نجد الصورة الجديدة للأدب مختلفة عما كانت عليه قبل الإسلام، فقد غير الإسلام طباع العرب من الخشونة إلى السهولة واللين مما جعل أدبهم يتدفق عذوبة وسلاسة في أساليب جزلة رائعة، كما أكسبهم عمقاً في التفكير وسعة في الأفق والمعرفة جعلهم يعبرون بدقة وبصور قوية بارعة تعتمد على البراهين(8).

وكما ذكرنا أن النثر العربي الطبيعي المرسل قد أصبح يفيض وينطلق في ظل الإسلام الظليل عن عاطفة قوية وحماسة روحانية يؤججها ويدفعها إيمان قوي عميق ورسالة خالدة باقية نامية؛ مما جعل هذا الأدب المتين كأداة قوية ومؤثرة نافذة للتعبير والبيان والكلام الساحر الذي يضرب على الوتر الحساس لنبع حياة البشر وهذا الأدب المحكم المتين يضاد زعم كثيرين من دارسي اللغة العربية لما ساد عنهم في الأوساط الأدبية والعلمية فكرة حدوث الضعف والركاكة والفتور في ميدان الأدب العربي ولاسيما قريض الشعر الرائع البليغ خلال فترة النبوة والخلافة الراشدة، ويذهبون في تعليل ذلك مذاهب مختلفة، كما يهملون جانب النثر العربي وقتذاك، ولا يكاد أحدهم أن يلتفت إلى الأمر الواقع فنسمع جعجعة ولا نرى طحنا! وهنا نسرد أقوال أولئك الكتّاب والمؤرخين الذين يقرّرون الضعف والركاكة في الشعر والأدب العربي فمنهم المؤرخ البارع ابن خلدون وها هو يقول:

“ثم انصرف العرب عن ذلك – أي عن الشعر – أول الإسلام بما شغلهم من أمور الدين والنبوة والوحي، وبما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زماناً”(9).

ويقرر ذلك الأستاذ جرجي زيدان قائلاً:

“أن الشعر في عصر الراشدين توقف لاشتغال المسلمين عنه بالفتوح”(10).

ولكن الواقع الملموس الذي تؤكده الدراسة الجادة المبنية على دراسة الفترة النبوية والثورة العارمة التي حدثت بمجئ الإسلام في بقاع الجزيرة العربية وهزتها هزاً عنيفاً دراسة متأنية شاملة، هو أن الشعر في الإسلام لم يضعف ولم يتفلك ولم يهن، وأن الفتوح الواسعة لم تشغل المسلمين عن التقريض وإنشاد الإبيات البليغة والإتيان بالشعر العربي المحكم المتين، بل أنها كانت كما يقول الدكتور النعمان القاضي في شعر الفتوح الإسلامية:

“فترة حية لم تستطع الظروف القاسية التي رافقتها من حركة الفتح والهجرات والصراع أن تذهب فيها بالمواهب الفنية للنفس العربية التي ألفت الشعر ومرنت عليه”(11).

يقول الدكتور شوقي ضيف وهو يسلط الضوء على صورة الأدب العربي في صدر الإسلام ويرد على تلك المزاعم الباطلة والآراء الخاطئة:

“ودفعتني النصوص الكثيرة في عصر صدر الإسلام إلى نقض الفكرة التي شاعت في أوساط كثيرة من عرب ومستشرقين، إذ ذهبوا يزعمون أن الإسلام انحسر عن أثر ضئيل نحيل في أشعار المخضرمين، وهو زعم غير صائب، بل هو زعم يسرف في تجاوز الحق، فقد أتم الله على الشعراء نعمة الإسلام، وانتظم كثيرون منهم في صفوف المجاهدين في سبيل الله داخل الجزيرة العربية وفي الفتوح، وهم في ذلك كله يستلهمون الإسلام، ويعيشون له، ويعيشون به، يريدون أن ينشروا نوره في أطباق الأرض، وقد مضوا يصدون عنه في أشعارهم صدور الشذى عن الأزهار الأرجة، وبالمثل صدروا عنه في نثرهم، فإذا هم يستحدثون فنوناً من النثر ينشئونها إنشاء، إذ أنشؤوا على هدى من القرآن آيات بديعة من المواعظ الدينية، كما أنشؤوا ضروباً من المعاهدات والرسائل السياسية والتشريعية”(12).

وإلى جانب الخطابة كانت الأمثال والوصايا والحكم التي ظلت امتداداً للفنون الجاهلية، ووجدت في العهد الجديد مجالاً حيوياً للاستمرار والنماء، وفي هذا العهد الإسلامي برز لون نثري جديد هو فن الكتابة والرسائل.

وأضاف الأستاذ يحيى الجبوري قائلاً وهو يتحدث عن ذلك العهد الانقلابي والنهضة المدهشة في كل قطاع من قطاعات الحياة وجميع شؤون الدولة الإسلامية ونواحي حياة المعتنقين بالإسلام والذين يتابعون الفتوحات الإسلامية ويرد رداً عنيفاً علي أولئك الكتاب الذين ينالون من الشعر ويقللون قيمته الأدبية والفنية في عسر الإسلام الذهبي! فيقول:

“إن الشعر كان زاهياً قوياً كثير الفنون واسع الأغراض دفعه الإسلام في دعوته، ووجهه في أغراضه، وأدخله في أتون المعركة الإسلامية بين مكة والمدينة وشارك في شؤون الحياة الإسلامية كافة فصورها ووصفها على قدر ما أتيح له… لقد كان موقف الإسلام من الشعر إيجابياً… لقد اتخذ الدين الشعر سلاحاً ماضياً من أسلحة الدعوة وكان لابد أن يدفع بالشعر في هذه المعركة..”(13).

ونجد أن الدراسة الجادة الموضوعية تكشف لنا كثيراً من نواحي الإبداع الأدبي في تلك الفترة النبوية الحاسمة التي ظهرت بعد البعثة المحمدية ونزول القرآن الكريم بلسان عربي مبين.

يقول الدكتور عبد الحليم بلبع:

وإلى جانب الخطابة كانت الأمثال والوصايا والحكم التي ظلت امتداداً للفنون الجاهلية، ووجدت في العهد الجديد مجالاً حيوياً للاستمرار والنماء، وفي هذا العهد الإسلامي برز لون نثري جديد هو فن الكتابة والرسائل(14).

إن الإسلام قد احتفل بالكتابة واهتم بشأنها واعتمد عليها في حركته ودولته، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة التاريخية إلى المدينة المنورة قام بإبلاغ الدعوة الإسلامية العالمية وبعث رسلاً وسفراء من الصحابة الأجلاء مع رسائله وكتبه إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها إلى دين الإسلام، ولذلك كانت أداة الكتابة وهي “القلم” محل عناية القرآن منذ الآيات الأولى “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ”(15)، والرسول صلى الله عليه وسلم في أول معركة يجعل فداء بعض أسراها ممن يعرف الكتابة، أن يعلم عشرة من صبيان المسلمين(16).

وشاعت الكتابة واتسع نطاقها، فكتب القرآن، كما كتب الحديث بعض الصحابة بعد كتابة القرآن بزمن، واستعملها المسلمون في عقودهم ومعاملاتهم، ومواثيقهم السياسية وغيرها، في عهودهم المختلفة(17)، وفي رسائلهم الإخوانية والديوانية والسلطانية التي تعتبر فناً نثرياً جديداً ظهر في العهد الإسلامي بفضل شيوع الكتابة وانتشارها على نطاق واسع(18).

كما ظهر في هذه الفترة لون جديد أيضاً من النثر الديني عماده الوعظ والترغيب والترهيب، والتذكير باليوم الآخر ومافيه، وربما أطلق عليه “العظات الأخلاقية” وهو لا يبعد في الواقع من أن يكون نوعاً من الفن الخطابي الذي تميز بطابع من الوعظ الديني…

كان هذا البعث الهائل والانقلاب الجيسم انطلاقاً بالإنسان نحو آفاق سامية وقمم سامقة بالتكريم الرباني الذي جعل منه خليفة في الأرض، وكان فتحاً كبيراً للإنسان وهو ينتقل من حياة إلى حياة ومن الظلمات القاتمة إلى النور الوضاء، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن القيود والأغلال إلى العتق والحرية والاستقلال في أسمى وأشمل معانيها ومفاهيمها.

يقول الأستاذ محمد بن حسن الزير وهو يتحدث عن الكلام الساذج البسيط والبيان الرائع السلسال ورقيّه وازدهاره في ذلك العصر الإسلامي:

وكان تجاوب ضمائر الرعيل الأول من المسلمين مع هذا الدين فريداً لم يسبق له مثيل في التاريخ، فاهتزت كياناتهم معه بعنف، وأخذتهم روعته في وضوحه وصراحته، وفي أنه حق وعدل، ثم في سموه وبساطته… ثم في هذا الثوب الذي جاء فيه من البيان  العربي الرائع، الذي كان نسيج وحده في بلوغه قمة التعبير الجميل، أخذوا بكل ذلك وانصاعوا له، وتمثلت فيهم المعاني والمبادئ الإسلامية، وهيمنت عليهم قيم الإسلام وتصوراته(19).

وأضاف الأستاذ محمد بن حسن الزير وهو يستعرض الأمر الواقع للأدب العربي في ظل الإسلام الظليل وشجرته الفيحاء قائلاً:

نجد أن بزوع شمس الدعوة الإسلامية، وما صاحبها من تصورات، وما طرأ من تغير نظرة الناس إلى الحياة كان ثورة على كل المفاهيم والقيم والأوضاع الجاهلية، ثورة في النفس وقرارة الضمير، وثورة في واقع الحياة، تمثل في الصراع الذي قام بين قوى العهد البائد بالباطل وأهل الإسلام السائد بالحق، وبذلك وجد عامل قوي دفع إلى أن تبرز “الكلمة” أكثر من ذي قبل حية متحركة على الساحة الواقعية تبني وتهدم في هذا الصراع الجديد بين الحق والباطل، وتعبر بصدق وحرارة عن مكنونات الضمائر، وحقيقة المشاعر التي تمور كما يمور هذا الحدث الهائل المزلزل… فكان لابد للمعركة من سلاح البيان إلى جانب سلاح السنان(20).

إن الذين يدرسون الأحاديث النبوية والعلوم التي تفرعت منها ليجدون حقاً وصدقاً أن السنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم قد جاءت بين حكمة مرسلة وخطبة مرتجلة، ومثل مضروب وقصة رمزية، ونموذج إنساني ومشهد حي وموقف عاطفي وحوار تعليمي ودعوة وإرشاد وترغيب وترهيب.

يقول الدكتور عدنان علي رضا النحوي “والإسلام ينزل الأدب منزلة عظيمة لا نجدها في أي عقيدة أخرى ولا نجدها في أي أمة أخرى غير الأمة الإسلامية وإذا كانت صياغة الأدب لدى الناس تبتدئ من الكلمة واللفظة فإن بدايته في طبيعة الإنسان بدأت مع العلم الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام فمن هذا العلم بدأت جذوة الأدب وشعلته في حياة الإنسان(21) قال الله تعالى “وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ”(22).

وحين تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ الذكر فقد تعهد في ذلك بحفظ اللغة العربية ذاتها، فهي لغة القرآن والحديث والعبادة والطاعة “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”(23).

إن الكلمات التي حيرت أئمة اللغة والتي حلمها الحديث النبوي الشريف إلى الميدان اللغوي هي كثيرة كاثرة لا تعد ولا تحصى ومن بين هذه اللآلي والدرر كلمة مهرمة جاءت في الحديث النبوي “ترك العشاء مهرمة” هذه الكلمة جارية على ألسنة الناس وليس أحد يستطيع أن يقول! أرسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأها أم كانت تقال قبله؟

وبالجملة فكانت الألفاظ النبوية والتعبيرات المصطفوية كنزاً ثميناً استمد المتأدّبون والمباحثون من هذا البحر الفياض المتلاطم في رسائلهم وأشعارهم وخطبهم وكلامهم.

وأخيراً أقدم بعض النماذج القيمة لأفصح وأبلغ كلام عربي صدر من أفصح العرب وأبلغهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها:

الطريقة الإلقائية:  من سلك طريقاً يطلب فيه علماً.

الطريقة الاستنتاجية: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر.

أسلوب الترغيب: عليكم بالصدق.

أسلوب الترهيب: إياكم والكذب.

أداة لإثارة الانتباه والتشويق: ألا!

تغيير المشهد: وكان متكئاً فجلس.

إبراز المعنيات في صورة المحسوسات: ذاق طعم الإيمان ….”

براعة الاستهلال أعني بداية الكلام:

إنما الأعمال بالنيات….”

وما إلى ذلك من بدائع التعبيرات ولطائف الحكم والجمل القصار من غرر كلام النبي الكريم عليه الصلاة والسلام:

وحين تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ الذكر فقد تعهد في ذلك بحفظ اللغة العربية ذاتها، فهي لغة القرآن والحديث والعبادة والطاعة “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.

وقد ذكر ابن دريد تعبيرات عديدة بليغة في كتابه المجتبى وعقد باباً باسم. (باب ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع من غيره قبله) شرح فيه مجموعة نفيسة من الأحاديث المنوه بها، ومنها.

يا خيل الله اركبي، الحرب خدعة، الناس كأشنان المشط، الآن حمي الوطيس وغيرها(24)، إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى(25)، اطلبوا الخير من حسان الوجوه(26).

ومن هنا نرى أن كلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد اشتمل واحتوى على أصناف أدبية عديدة من تمثيلات بارعة وحكم عالية وأمثال رائعة ووصايا نافعة واشتمل على معاني التوجيه والإرشاد والتشريع والتربية فكان مادة غزيرة للغة وأمثلة رفيعة للأدب وثروة قيمة للأخلاق وكانت مصوغة بصبغة أدبية فصيحة مع أسهل التراكيب وأعذب التعبير وآنق الديباجة، أبرع الدلالة وأفخم العبارة وأسلس البيان وأعذب الاستماع وبالتالي وجد النثر العربي من بينها مناخاً كبيراً ومجالاً واسعاً للازدهار والنمو والتطور حتى بلغ قمة التطور والانتشار وساد العالم كله، بأسلوب جذاب خلاب وميزة بلاغية نادرة وسمات أدبية بارزة، واحتل مكانة مرموقة لدى الباحثين والعلماء والكتاب وساد في الأوساط العلمية والأدبية والفنية، وحظي بالقسط الأوفر والقدح المعلى في استرعاء انتباه العلماء والمثقفين إلى تلقى الأساليب الحكيمة والتتلمذ على مأدبة الأدب الإسلامي ولاسيما على مائدة الحديث النبوي الشريف كنموذج أدبي رائع أخاذ ومؤثر بليغ جذاب، وأصبحت لغة الحكومات الكبيرة والمجتمعات البشرية المثقفة في العالم وأخير نذكر أهم العوامل والأسباب لشيوع اللغة العربية بقاع العالم في فترة قصيرة وهي كما يلي:

وكانت أهم العوامل التي بعثت تلك الحركة الأدبية والثقافية هي:

  1. حاجة المسلمين في تفسير الآيات القرآنية وإلى معرفة مناسباتها وسبب نزولها والموضع الذي نزلت فيه والحادثة التي تشير إليها وما إلى ذلك.

كما نرى أن القرآن الكريم قد أكثر من الإشارات إلى شتى الأمم ومختلف القبائل وكثير من الأنبياء في قصصه عن الغابرين، فرغب علماء المسلمين وأدباؤهم في فهم هذه الآيات وإشاراتها وتوضيحها في جانب وفي جانب آخر نرى أن الإسلام قد أظل كثيراً من اليهود والنصارى فلجأ إليهم المسلمون ليعرفوهم بتلك الإشارات فأخذ هؤلاء يحدثونهم بقصص التوراة والإنجيل وشروحها فربطها المسلمون بالتفسير والتاريخ واشتهرت هذه الأخبار فيما بعد باسم (الإسرائيليات) كما نجدها في كعب الأحبار المتوفى عام 34هـ ووهب بن منية (المتوفى عام 110هـ) ولا تزال آثارهما في كتب التاريخ والتفسير التي وصلت إلينا.

  1. كان الحديث النبوي الشريف من أهمّ عوامل ظهور الكتابة العربية التاريخية والنثر المرسل السلسال إذ عني المسلمون بجمع الأحاديث ليفسروا بها القرآن ويستنبطوا منها أحكام الدين، وكانت من هذه الأحاديث جملة وافرة تتعلق بحياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام.
  2. أحسّ بعض الخلفاء بأنهم محتاجون إلى نبراس يهتدون بهديه في سلوكهم إذ لم يكن لهم ملجأ يأوون إليه كما أنهم رأوا ممالك أجنبة بهرتهم حضارتها فأحبوا أن يعرفوا كيفية سياستها ونظامها فقد كثرت المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى هدمت نظام الخلافة الراشدة وأقامت نظام الملك وواجه العقل العربي الذي كان ساذجاً في جاهليته مشكلات حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة ومنها ما يمس الحياة المادية والاجتماعية فرأى أنه لابد من الاستعانة بأخبار من سبقه من العقول ليستنير بها كما روى المسعودي عن معاوية.

“أنه كان بعد أن يفرغ من عمله يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السابقة ثم يدخل فينام ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحورب والمكايد فيقرأ ذلك غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسة(27).

  1. كان الأجانب الذين أظلهم الإسلام يفخرون على العرب بتاريخهم وحضارتهم ويروون لهم أفعالهم المجيدة في ماضيهم فاضطر العرب إلى ابتكار تاريخ لهم يستطيعون به الوقوف بإزاء هذا الفخر الأجنبي ويظهر لأبنائهم الأخرى مجداً ومكانة وكان هذا من دواعي ظهور الكتابة التاريخية في الأمة.
  2. كان نظام الحكومة الإسلامية وخاصة النظام المالي من العوامل التي أدت إلى قيام الحركة التاريخية للكتابة العربية وانتشارها لأن الضرائب على البلدان المختلفة تتباين حسب فتحها صلحاً أو عنوة أو بعهد وكانت المعاملة السياسية والاجتماعية نفسها تختلف في بعض البلدان تبعاً لما حدث في أثناء فتحها فدعا كل ذلك والنظام المالي خاصة إلى بحث تاريخ الفتوح والاستضاءة من الحديث النبوي الشريف والاستنارة من أحكام القرآن الكريم(28).

فبهذه الدواعي الرئيسية والعوامل الجذرية تقدمت اللغة العربية تقدماً مدهشاً في بقاع العالم ولعب الحديث النبوي الشريف دوراً بارزاً في تطويرها.

يتم أخذ هذه المقالة من مجلة الصحوة الإسلامية

المزيد مثل هذه المقالات الاشتراك الصحوة الإسلامية

——————————————————————————————

الهوامش

(1) الشنطيقي محمد الأمين بن محمد، أستاذ مساعد بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: السيرة النبوية في فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني ص1/639، طبع بدولة الكويت.

(2) الإمام أحمد بن حنبل: المسند 3/390، 3/322-323، وانظر فتح الباري 7/220 للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ).

(3) الشيخ الندوي سيد أبو الحسن علي الحسني: السيرة النبوية ص67، الطبعة العاشرة، دار الشروق، جدة للنشر والتوزيع 1415هـ – 1995م، المملكة العربية السعودية.

(4) إبراهيم عبد الخالق: خلاصة آداب اللغة ص29-30، مطبعة أنوار أحمدي بإله آباد الهند اهتم بطبعه محمد إسماعيل اللكنوي بالهند.

(5) يقول ابن عبد البر “كان زيد بن ثابت ألزم الصحابة بكتابة الوحي ابن عبد البر: الاستيعاب 1/26، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.

(6) الزرقاني محمد بن عبد الباقي بن يوسف أبو عبد الله المصري المالكي (ت1122هـ): شرح الزرقاني على المواهب 3/323، طبع لبنان، بيروت بدون التاريخ.

(7) نفس المصدر ص30.

(8) الزير محمد بن حسن: القصص في الحديث النبوي دراسة فنية وموضوعية ص58، الطبعة الرابعة 1418هـ – 1997م بالمملكة العربية السعودية.

(9) ابن خلدون: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد (808هـ): مقدمة ابن خلدون ص581 طبعة مصر.

(10) زيدان جرجي: تاريخ آداب اللغة العربية 1: 195، نشر دار مكتبة الحياة في بيروت لبنان 1967م.

(11) القاضي النعمان: شعر الفتوح الإسلامية ص12، طبع في بيروت، لبنان.

(12) ضيف شوقي: تاريخ الأدب العربي “العصر الإسلامي” ص5، طبعة دار المعارف بمصر.

(13) يحيى الجبوري: الإسلام والشعر طبع في دمشق، الشام.

(14) بلبع عبد الحكيم الدكتور: النثر الفني وأثر الجاحظ فيه ص72، لجنة البيان العربي، القاهرة الطبعة الثانية 1969م.

(15) القرآن، العلق96: 1-5.

(16) ابن سعد عبد الله بن سعد بن منيع الزهري (230هـ):الطبقات الكبرى 2/14، وانظر المسند للإمام أحمد بن حنبل 4/47 بتحقيق الأستاذ شاكر.

(17) حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بيروت، لبنان.

(18) بلبع عبد الحكيم الدكتور: النثر الفني وأثر الجاحظ فيه ص73، لجنة البيان العربي القاهرة الطبعة الثانية 1969م.

(19) الزير محمد بن حسن: القصص في الحديث النبوي دراسة فنية وموضوعية ص56، الطبعة الرابعة 1418هـ – 1997م بالمملكة العربية السعودية.

(20) نفس المصدر ص57.

(21) النحوي عدنان علي رضا: الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته، الطبعة الأولى 1407هـ – 1987م، دار النحوي، الرياض بالمملكة العربية السعودية.

(22) القرآن، البقرة2: 31.

(23) القرآن، الحجر15: 9.

(24) ابن دريد: المجتبى ص16، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدرآباد الدكن 1362هـ.

(25) الميداني أبو الفضل أحمد بن محمد: مجمع الأمثال، بيروت، لبنان الطبعة الثانية 1379هـ – 1959م.

(26) الضبي أبو عكرمة: كتاب الأمثال، مطبعة دار الكتب، دمشق 1373هـ – 1954م.

(27) نصّار حسين الدكتور: نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي ص180-181، مكتبة الثقافة الدينية القاهرة، 1422هـ – 2002م، نقلاً عن مروج الذهب 2/51 للمسعودي، (تحقيق محي الدين عبد الحميد، طبع دار الأندلس، بيروت، لبنان 1981م).

(28) نصار حسين الدكتور: نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي ص180-181، مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة، مصر 1422هـ – 2002م (ملخصاً).

Spread Islam
Read More

Leave a Reply

*