منهج الإمام النانوتوي في تعليقاته على الجامع الصحيح للإمام البخاري

منهج الإمام النانوتوي في تعليقاته على الجامع الصحيح للإمام البخاري

ملخص البحث

يتناول البحث منهج الإمام النانوتوي في تدريس الحديث الشريف، ومنهجه في التعليقات على الجامع الصحيح للإمام البخاري، وكذلك تمت المحاولة في تحديد الأجزاء التي علق عليها النانوتوي؛ فإن المحققين والمؤرخين ذهبوا إلى مذاهب في هذا الأمر، فجاء توزيع البحث على ملخص البحث وفاتحة  وأربعة مباحث وخاتمة  وهي كما يلي: ملخص البحث, فاتحة  البحث

 المبحث الأول: منهج الإمام النانوتوي في تدريس الحديث الشريف.

المبحث الثاني: تحديد فترة التعليق على البخاري في حياة الإمام النانوتوي رحمه الله.

المبحث الثالث: عدد الأجزاء من الجامع الصحيح للبخاري التي علق عليها الإمام.

المبحث الرابع: منهج الإمام النانوتوي في التعليق على البخاري. 

خاتمة ونسأل الله تعالى أن يرزقنا التوفيق والسداد، ويقينا الزيغ والضلال، وهو الموفق لكل صواب وميسر لكل صعاب.

 فاتحة البحث خلال مطلع النصف الأول من القرن الثالث عشر قد ولدت من ستار أرض الهند شخصية عبقرية؛ لا تزال تسطع شمس علومه مع كر الليالي ومر الأيام، وظلت تكشف أشعتها العلمية الدعوية ظلام الكفر والشرك، وبيئة الإلحاد والزندقة، وسواد الضلال والغي، وأوهام البدعات والخرافات، وظلمات الجهل والأمية، ولا تشرق طلعتها العلمية على قارة أسيا فحسب؛ بل امتدت إلى الأصقاع المأهولة كافة.

وهي شخصية حجة الإسلام الإمام محمد قاسم النانوتوي ـــ رحمه الله تعالى ـــ (1348هـ= 1832ء أم 1833/4/ جمادى الأولى 1397ء= 15/ إبريل1880 ء) كان الإمام من عجائب الزمن، متعه الله ـــ عزوجل ـــ بالمؤهلات المدهشة، وقام في كل من مجال الجهاد والمناقشة العلمية والمناظرة الدينية وإلقاء الدروس والخطابة والتصنيف والتأليف بخدمات مشكورة.

وعلى الرغم من أن القسط الكبير من جهوده قد بذلت لأجل استعادة مجد المسلمين وقوتهم المفقودة، ضد استعمار الإنجليز لتحرير الهند، ولأجل الجهاد العلمي المتواصل ضد المسيحية والكفر والشرك والإلحاد والزندقة والبدعات والخرافات؛ ولكن إلى جانب ذلك ترك البصمات الملموسة المغبوطة بها في حقل التعليم والتربية، والخطابة والكتابة، جاءت عشرات الكتب نابعة من قلمه الممطر اللآلي، وفي هذا السياق تشكل تعليقاته على الأجزاء الأخيرة من الجامع الصحيح للإمام البخاري كحل العيون لهواة التحقيق وعطشى العلم.

المبحث الأول: منهج الإمام النانوتوي في تدريس الحديث الشريف

أفاد الشيخ السيد محبوب الرضوي, ولعب الإمام النانوتوي دوراً عظيماً في الرقي بما كان يمتاز به جامعة دارالعلوم ديوبند من منهج إثبات مذهب الحنفية وترجيحه، وأسلوب العرض والتنقيح والشرح مما تتبعه معظم المدارس العربية في طول البلاد وعرضها في تدريس مادة الحديث. فقد كانوا يكتفون في تدريس الحديث بنقل الحديث إلى اللغة المحلية، وسرد المذاهب الفقهية الأربعة حتى منتصف القرن الثالث الهجري، ولكن قامت جماعة أهل الحديث في الهند بتسديد السهام اللواذع إلى الأحناف بأن مذهبهم لايوافق السنة النبوية، فاهتم الشاه محمد إسحاق وطائفة من تلامذته بإثبات المذهب الحنفي وترجيحه، وحذا حذوهم الإمام النانوتوي وشيخ الهند محمود حسن الديوبندي في دارالعلوم بديوبند، ونفخوا الروح في هذا الأسلوب التدريسي، وبلغوا به ذروةَ الكمال؛ فلا تجد مدرسةً من مدارس الحديث ـــ اليوم ـــ إلا وتتبع هذا المنهج التدريسي لمادة الحديث.

وكان من الصعوبة بمكان الاستفادة من دروس الإمام النانوتوي والاستقاء من منهله إلا لمن أوتي حظاً كبيراً من الذكاء والفهم والقدرة، بالإضافة إلى دراسة مسبقة واعية متأنية للكتاب. و لك أن تدرك ـــ بصورة إجمالية ـــ ما كان يتمتع به الإمام النانوتوي من الفهم وقوة الذاكرة، وبعد النظر، وعمق التفكير، وقوة الاستدلال من خلال دراسة كتبه وتأليفاته القيمة. وكان رحمه الله يقول: «إن أحكام الكتاب والسنة بأسرها توافق العقل مئة في المئة، إلا أنه لا يصل إليه عقول الناس جميعاً». ويقول الطبيب منصور علي خان المراد آبادي ـــ أحد كبار تلامذته

وهو يتحدث في كتابه الماتع «مذهب منصور» عن خصائص دروس الإمام النانوتوي وميزاتها-: «والحق أن أساطين العلم والكمال كانوا يأخذهم العجب كل مأخذ، ويقطعون أيديهم حين كان  الشيخ النانوتوي يستدل في مسألة عويصة صعبة  على خلاف ما ذهب إليه جماهير العلماء. فتجد حكماً من أحكام الشرع لا يعضده دليل شرعي في بادي الأمر؛ فإذا تحدث عنه الشيخ وشرحه وكشفه وجدتَه يوافق ـــ أيَّ موافقة ـــ للعقل. وعجز كبار أهل العلم والفضل أن يردّوا الأدلة التي يقدمها الشيخ النانوتوي»

ويقول شيخ الهند رحمه الله -في «أرواح ثلاثة»:  «كنت أطالع مؤلفات الشاه ولي الله الدهلوي ثم أحضر دروس الإمام النانوتوي، وأسأله عما دقَّ وصعب في كتب الشاه ولي الله، فكان الإمام النانوتوي يبدأ بالرد الذي انتهى به الشاه ولي الله الدهلوي. وقد جربته مراراً»

وقد تخرج عليه جماعة من مشاهير و جبال العلم و المعرفة يعز مثيلها في أعقاب الشاه عبد الغني الدهلوي، أمثال شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، والشيخ   أحمد حسن الأمروهوي, والشيخ فخر الحسن الكنكوهي

المبحث الثاني: زمن التعليق على البخاري, في أي سنة من الهجرة والميلادية قام الإمام النانوتوي فيها بالتعليق على صحيح البخاري، وكم قضى الإمام من عمره وقتئذ؟

يقول مولانا أسير الأدروي

في هذا الصدد: “تم طبع البخاري بعد إكمال الشيخ أحمد علي السهارنفوري أعمال التصحيح والتعليق على البخاري، وبعد إكمال الإمام النانوتوي التصحيح والتعليق على الأجزاء الستة الأخيرة منه في 1267هـ (1850ء)” وذكر الشيخ مناظر أحسن

الكيلاني:”أسند الشيخ أحمد علي السهار نفوري (المعلق والناشر للبخاري) الأجزاء الخمسة أو الستة من البخاري التي لم يأت التصحيح والتعليق عليها بعد إلى الإمام النانوتوي، وذلك في زمن قرأ الإمام فاتحة الفراغ من الدراسة، ولا يناهز 22 أو 23 من عمره.” 

وأضاف في موضع آخر: “وقد حصل التعيين به أن دخول الإمام الكبيرفي  إطار الحياة الزوجية كان فيما يقرب من 21 و22 سنة من عمره، وينبغي أن يكون عمره ذلك في 1853ء.”

وأفاد في موضع:”وحسب إفادته (محمد يعقوب النانوتوي) أن الإمام النانوتوي قام بالتعليق على البخاري بالإضافة إلى تصحيحه في المطبع الأحمدي في نفس الزمن (زمن النكاح). يتجلى بهذه السطور من الكتاب (سوانح قاسمي) بوضوح أن زمن التعليق على البخاري حوالي الفترة المتراوحة منذ 1850ء إلى 1853ء، وهذا الذي كتبه الشيخ الأدروي.

وأفاد السيد محبوب الرضوي الديوبندي: قام الإمام النانوتوي بتعليقاتٍ قيمةٍ على «صحيح البخاري» كما سبق، ويبدو ـــ من خلال سرد الشيخ محمد يعقوب النانوتوي قصته ـــ أن الإمام النانوتوي قد أنهى دراسته قبل عام 1276هـ/1851م، ثم قضى نحواً من سنةٍ في بيت الشيخ يعقوب، ثم غادر الشيخ يعقوب«دهلي» في أواخر عام 1268هـ/1852م إلى  «أجمير» فتنقل الإمام إلى أماكن وقضى بها مدة من الزمان، حيث أسند إليه التعليق والتحشية على  «صحيح البخاري»  حينئذٍ.

أضف إلى ذلك أنه من المعلوم يقيناً أن الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ـــ زميل الإمام النانوتوي في الدراسة ـــ مكث في «دهلي» أربع سنوات، وأنهى بها دراسته عام 1265هـ/ 1848م وعاد إلى بلده وربما كان الإمام النانوتوي قد تخرج في العام نفسه (1265هـ) وبهذا يكون قد أنهى دراسته النظامية وهو ابن سبع عشرة سنة.

وطبعة «صحيح البخاري» التي أصدرتها  «مطبعة جتبائي» بـ«دهلي» عام 1322هـ /1904م تنتهي بنص فارسي معناه:  «وفي عام 1270هـ/1853م أمر بنشره وطبعه، ثم تولى أولاده  ـــ الذين هم على حظ وافر من العلوم النقلية و العقلية، والأخلاق المحمدية بنشره وطبعه عام 1284هـ /1867م ثم في عام 1308هـ/1890م».

وصرح كتاب «حياة شبلي» بأن أول ما نشر وطبع صحيح البخاري عام 1267هـ/ 1850م حيث يقول:  «ومن أهم  خدمات الشيخ السهارنفوري أنه بذل جهوداً مضنيةً في تصحيح نصوص مخطوطات الحديث الشريف وتحقيقها وطبعها ونشرها، ففي عام 1265هـ/1848م طبع جامع الترمذي، وفي عام 1267هـ/1850م صحيح البخاري. ويقول العلامة  «شبلي» قد أنفق شيخنا رحمه الله عشرين عاماً في تصحيح نصوص صحيح البخاري، والتعليق عليه. والذي أرى أن سنة طباعة صحيح البخاري التي ينص عليها إصدار «مكتبة مجتبائي» أقرب إلى الصحة. وقد جاء في نهاية صحيح البخاري ما يستخرج منه تاريخ طبعه حيث قال: و هذه مادة تاريخ ختم الطبع استخرجها المولوي محمدعمر بن المولوي أحمد سعيد المجددي: قد طبع أصح كتب بعد كتاب الله:1270هـ

و هذه التفاصيل التي سردناها تقضي بأن تحقيق نصوص الأجزاء الخمسة أو الستة لصحيح البخاري والتعليق عليها إنما قام به الإمام النانوتوي عام 1269هـ/ 1852م.

ولايخفى أن الإمام النانوتوي من مواليد عام 1248هـ/1832م، إذاً كان لا يتجاوز عمره ـــحين قيامه بعمل التصحيح والتعليق هذا ـــ واحداً وعشرين عاماً. ولم يقطع الشيخ مناظر أحسن الكيلاني بشيء في ذلك، وإنما قال: «الأغلب أنه كان لا يتجاوز اثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين عاماً من عمره»

وليس غريباً أن يكون إسناد تصحيح نصوص صحيح البخاري والتعليق عليه ـــ ذلك العمل العلمي العظيم ـــ إلى شابٍ حديث السن مبعثَ عجبٍ وحيرةٍ لأولئك الذين خفي عليهم مكانةُ الإمام النانوتوي العلمية وعبقريتهُ، إلا أن الشيخ أحمد علي السهارن فوري قد تفطن ـــ بفراسته و ذكائه ـــ لما كان يتصف به تلميذه من الذكاء المفرط، والذهن الوقاد، والتضلع من العلوم.

هذا. إلى أن الشيخ نور الحسن الكاندهلوي ألقى على الأمر عين التحقيق من شتى الجهات، وحاول أن يحدد تاريخ التعليق، فعلق الإمام على البخاري في الشهور الستة الأولى من 1269هـ وفق تحقيقه وهو كما يلي:

“علمنا من خلال شتى القرائن والدلائل أن الإمام ربما قام بهذه الخدمة في الشهور الستة الأولى من 1269هـ، والدليل على ذلك أن وصفة البخاري هذه (أي التي تم التعليق عليها) تمت طباعتها في 1270هـ، وتلمح كتابات الشيخ يعقوب النانوتوي (الذي سافر من دهلي إلى أجمير في 1268هـ) إلى أن الإمام لم يأخذ في التعليق حتى سافر الشيخ يعقوب النانوتوي من دهلي إلى أجمير.”

وأضاف الشيخ الكاندهلوي: “وكان الإمام النانوتوي شابا آنذاك (69ـ 1268هـ) وكان في العشرين أو الحادي والعشرين من عمره.”

كان الإمام في من عمره وفق التقويم الهجري وفي وفق التقويم الميلادي كما صرح به أسير الأدروي، وكذلك أفاد بما يقرب منه الشيخ مناظر أحسن الكيلاني، ويثبت تحقيق نور الحسن راشد الكاندهلوي أن الإمام كان في أم من عمره، ومن المقرر أن طباعة الصحيح للبخاري حصلت في 1270هـ

المبحث الثالث: عدد الأجزاء من الجامع الصحيح للبخاري الذي علق عليه الإمام يتفق كاتبو سيرة الإمام عن بكرة أبيهم: أن الإمام علق على الأجزاء الخمسة أو الستة من البخاري، على حين يذهب بعضهم أن عدد الأجزاء التي جاء التعليق عليها هو أربعة ونصف، ويقول بعضهم: ثلثة، من بينهم الشيخ نور الحسن راشد الكاندهلوي، أثبت حسب تحقيقه أن الإمام علق على ثلاثة أجزاء فقط.

وأقوى ما يدل ويعول عليه لدى الكاندهلوي هو كلمات ألقاها الشيخ محمد يونس الجونفوري المحترم شيخ الحديث بجامعة مظاهر علوم سهارنفور في إحدى جلساته، تفضل فيها الشيخ بالمقارنة بين هوامش الشيخ أحمد علي السهارنفوري وبين هوامش الإمام النانوتوي، وقام بإبراز الفروق والتمييز بين هوامشهما، وحقق أن الإمام النانوتوي علق على الأجزاء الثلثة الأخيرة فحسب.

وإليكم المقارنة: يفيد الشيخ محمد يونس: أن أسلوب الكلام قد أخذ لونا جديدا من كتاب المحاربين، مما يبدو أن التعليق على الجامع إلى كتاب المحاربين وبعده قام به شخصيتان مختلفتان.

وأفاد في جلسة في سياق بيان الفرق بين هوامشهما: أن هوامش الأجزاء الأخيرة تختلف عما سواها بوجوه آتية:

(الف): تتسم هوامش الشيخ أحمد علي بميزة الإيجاز، ويسعى الشيخ جاهدا في كشف مغلقات الكتاب، ولا يقتطف من شروح وتعليقات البخاري ولا من الكتب الأخرى إلا الأجزاء والمقاطع التي لا بد منها، ولا يكتب الشيخ المقتطفات الطويلة؛ بل تستخرج الجوهر والعطور من جميع العبارات والمقتطفات المعنية.

(ب) ولا يعجب الشيخَ تكرارُ مبحث في الهوامش، ويكتفي بالإشارة إلى مصدره عند مساس الحاجة.

(ج) هناك مرجع “عثماني” من مراجع الشيخ أحمد علي، ولو لم أتوصل بعد إلى معرفة هذا الكتاب ولا إلى مؤلفه، ولكن الشيخ يكتبه مرارا وكرارا.

وتتميز الهوامش التي تبدأ من كتاب المحاربين مما قبلها بوجوه: وهي كما تلي:

نجد في الهوامش الطوالة والتفصيل بشكل أكثر، نقلت العبارات الطويلة من فتح الباري والشروح الأخرى التي لا تنسجم مع طبيعة الشيخ أحمد علي. 

هذا إلى أنه هناك مباحث طويلة عديدة مكررة سلفت فيما قبلها من الهوامش.

أخذ الإمام النانوتوي في مواضيع من الفقهاء المتأخرين من أمثال الشيخ ابن همام،ومن إليهم وذلك لا يصدر من الشيخ أحمد علي إلا غرارا.

لم يأت في هذه الهوامش ذكر مصدر “عثماني” الذي كان من المصادر الدائمة لدى الشيخ السهارنفوري.

ويختلف أسلوب الكلام بعضه عن بعض، ونشعر أن القلم قد تغير. انتهت المقارنة.

ويقول الشيخ برهان الدين السنبهلي القاسمي:

“ويحصل اكتشاف الفروق المتمثلة في الإيجاز لدى الشيخ السهارنفوري، وفي الإطناب لدى الإمام النانوتوي، ويتضح هذا الفرق أكثر وضوحا مما مضى في الأجزاء الثلثة الأخيرة، ومن ثم ذهبت وجهة نظر من بعض أهل البصيرة إلى أن الإمام النانوتوي لم يعلق إلا على الأجزاء الثلثة الأخيرة.”

وبعد هذا التحليل الصادر عن الشيخ السهارنفوري المتمتع بالخبرة الطويلة في مجال التدريس نستحيي أن أقول شيئا في هذا الصدد؛ وعلى الرغم من ذلك نحاول أن نطرح طلبات باعتباري طالبا، وهي: 

أما إطالة الهوامش لدى الإمام النانوتوي؛ فيرى أهل الخبرة في هذا الصدد أنها هناك مباحث في الأجزاء الأخيرة تستدعي معالجة حلولها إلى الشرح المستفيض، مثلا: المسائل العقدية الكلامية الهامة، كما كثر في هذه الأجزاء توجيه الاعتراض من قبل الإمام البخاري إلى الأحناف من خلال قوله: قال بعض الناس.

فصرح الشيخ مناظر أحسن الكيلاني:

“يتبادر من صنيع الإمام البخاري أنه طعن في الأحناف من خلال قوله “بعض الناس” وكتب الإمام النانوتوي أيضا أنه أصعب المواضيع في البخاري، ولا سيما في هذا السياق وذلك أن الشيخ أحمد علي اهتم منذ بداية الكتاب بتأييد المذهب الحنفي، وقصد الإمام البخاري في هذه المواضيع رد المذهب الحنفي،وكتب وأصاب: أفلا تدري الصعوبة في الرد على اعتراض الإمام البخاري.”

وأردف قائلا: “وهذا مما يتجلى أن الإمام النانوتوي قد ألقيت عليه مسؤولية الرد على اعتراض الإمام البخاري في الأجزاء التي أسند التعليق عليها إلى الإمام النانوتوي.”

وذكر الشيخ أسير الأدروي: “وأكثر الإمام البخاري الاعتراضات على مذهب الإمام أبي حنيفة، والإشارة إليها في هذه الأجزاء الأخيرة، ولا يخفى على من له أدنى وصلة بعلوم الحديث مدى مكانة الروايات المخرجة في جامعه؛ ومن ثم كان لا يمكن أن تقدم الردود على هذه الاعتراضات دونما إمعان النظر العميق في خزانة الأحاديث بأكملها، كما بات لزاما أن تشرح هذه الروايات شرحا يتمتع بالدليل والعقلانية؛ حتى يتحقق توافق مذهب الأحناف بالسنة تماما.”

وأفاد الشيخ خالد سيف الله الرحماني: “استهدف الإمام البخاري الأحناف في الكثير من الأماكن من الأجزاء الأخيرة لصحيحه، فقدم الإمام النانوتوي فيها وجهة النظر للحنفية مصحوبة بالرواية والدراية، وذلك بأسلوب بديع.”

وكذلك ذكر الشيخ برهان الدين السنبهلي القاسمي ما قاله الشيخ الرحماني آنفا في المصدر نفسه.

وتوصلنا من خلال مقتطفات هؤلاء الأعلام البارزين إلى القرب من معالجة حلول سر إطالة تعليقات الإمام النانوتوي، وهي ما تمت الإشارة إليها من المباحث المستعصية والاعتراضات للبخاري على الأحناف، وما إلى ذلك، وإطالة التعليقات في الأجزاء الأخيرة ليست بغريبة، فنرى هذه الإطالة في بعض الأماكن من تعليقات الشيخ أحمد علي السهارنفوري، نقدم مثالا غيضا من فيضة،راجع إلى (جامع البخاري 1/102،ح:1) نجد ههنا تعليقا طويلا:

وأما ما قال الشيخ الجونفوري: إنه لا يتواجد المصدر العثماني الذي اعتمد عليه الشيخ أحمد علي السهارنفوري بشكل مصدر دائم، ففيه نظر؛ فإننا ظفرنا بذلك المصدر في التعليق من الجزء الثامن والعشرين من الصحيح، انظروا (صحيح البخاري 2/1010، كتاب المحاربين،ح:4، فيصل فبليكيشنز ديوبند)

على أن قول الشيخ الجونفوري يبدو ضعيفا؛ لأن الإمام النانوتوي قام بالتعليقات في نفس المكان الذي علق الشيخ السهارنفوري فيه، (وهو المطبع الأحمدي بدهلي) فالإمام النانوتوي استفاد من الكتب التي استفاد منها الشيخ السهارنفوري، وذلك أمر بديهي لا يختلف فيه إثنان.

كتب الشيخ برهان الدين السنبهلي القاسمي:

“أضاف (كاتب السيرة): كلمة “وغير ذلك” بعد عدّ كتابا من شتى العلوم في هذا الفهرس، ولا يعني ذلك إلا الاستفادة من الكتب الأخرى ما عدا تلك الكتب، ولا ريب في أن المصادر كلها كانت لدى الإمام النانوتوي.

وأضاف الشيخ السنبهلي: “ولكن لم نعلم علما محتوما عليه من خلال أي مصدر أنه على كم جزءا علق عليها الإمام النانوتوي.”

المبحث الرابع: منهج الإمام النانوتوي في التعليق على البخاري من كبرى المسؤوليات على المعلق والشارح لكتاب أن يبذل كل ما لديه من المحاولة في كشف مغلقات الكتاب وجعله سهلا ويسيرا للناظرين فيه؛ حيث تتبادر أذهانهم من عبارة الكتاب إلى مراد المؤلف دونما عائق، تجد كثيرا من صفات التعليق والشرح الناجح هذه في تعليقات الإمام النانوتوي وهي كمايلي:

معالجة الحلول لمغلقات البخاري، وشرح موجز للنصوص التي تحتاج إليه، وتفصيل الإجمال، وتحديد الأخطاء، وتحقيق الرجال، وتحديد مستويات الرواة والروايات، والتوفيق بين الروايتين المتعارضتين ثم الترجيح بينهما، ودراسة الأصول لعلم الحديث، وعرض مذاهب الأئمة الأربعة المتبوعين وأدلتهم. هذه وكثيرة من أمثالها الخصائص والميزات نستشعر بها خلال قراءة تعليقات الإمام النانوتوي.

ومن أهم الميزات التي تتسم بها تعليقات النانوتوي أنه لم يكتب الإمام شيئا إلا واحال على مصدر، ما يعد واحدا من الأصول الأساسية للبحث والتحقيق، وكان الإمام النانوتوي خلال التعليق على البخاري كثير الاستفادة من كتب الفقه وأصوله وكتب الحديث وعلومه؛ إلى جانب الشروح المعروفة للجامع البخاري، كما سلف آنفا أنه كانت هناك كتابا لديه خلال التعليق على الجامع.

كما حظيت الكلمات الغريبة والألفاظ المستعصية بجهوده الجبارة، فشرحها النانوتوي لغة وصرفا ونحوا، وجاء بالكلمات المترادفة المشهورة المأنوسة لدى الناظرين، ونثرت أمثلتها في كل صفحة؛ وعلى الرغم من ذلك نأتي بالمثالين وهما كما يليا:

حديث: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا فِي الصُّفَّةِ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ………إلى آخره .

هامش: (رهط) هم عشيرة الرجل، وأهله من الرجال،مادون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على: أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع، قوله: (فى الصفة) هى سقيفة في مسجد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـــ كانت مسكن الغرباء والفقراء المهاجرين، قوله: (أبغنا) بهمزة قطع ثم باء موحدة وغين معجمة، أي: اطلب لنا، وأبغاه الشيء: طلبه له وأعانه على طلبه، قوله: (رسلا) بكسر الراء وسكون السين المهملة: اللبن،……

قوله: (الذود) بفتح الذال المعجمة من الإبل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، قوله: (صريخ) أي مستغيث، وهو من الأضداد جاء بمعنى المغيث أيضا، قوله: (الطلب) بفتحتين جمع الطالب، قوله: (ترجل) بلفظ الماضي من الترجل بالراء والجيم، وهو الارتفاع……

ولو تمس الحاجة إلى الشرح في الأماكن المختلفة من الحديث الواحد، يأتي الإمام بشرح الجميع في التعليق الواحد، ولا يرقم على كل كلمة من الحديث، وعلّه تبنى هذا المنهج ابتغاء الإيجاز.

المناهج التي تبناها سائر أصحاب الشروح لجامع البخاري، نجدها لدى الإمام النانوتوي، كما يقوم النانوتوي بالتوفيق بين الكتاب وماردفه من الكتاب، وبين الكتاب والباب الذي يأتي تحته وبين الآيات والأحاديث، كما بيّن المناسبة بين كتاب الحدود وكتاب المحاربين فيما يلي:

هامش: قوله: (كتاب المحاربين) المناسبة في وضع هذه الترجمة ههنا موجودة؛ فإن كتاب الحدود الذي قبله مشتمل على أبواب مشتملة على شرب الخمر والسرقة والزناء، وهذه معاص داخلة في محاربة الله ورسوله، وأيضا قد ثبت في بعض النسخ في رواية النسفي بعد قوله: من أهل الكفر والردة ومن يجب عليه حد الزناء إلى المحاربين، فيكون داخلا فيها لإفضائه إلى القتل في بعض الصور، وفيه أبواب لا يتعلق إلا بما يتعلق بالمحاربين فحينئذ ذكره بلفظ الكتاب أولى، كذا في العيني.

واختار الأحناف في أصول الحديث بوجه عام ومسند الهند الشيخ الشاه ولي الله المحدث الدهلوي والإمام النانوتوي وسائر العلماء الذين ينتمون إلى دارالعلوم ديوبند بوجه خاص، أنه لو كان الحديثان متعارضين فيما يبدوا، فيقدمون لرفع التعارض التطبيق من بين سائر أنواعه من التطبيق والترجيح والنسخ؛ لكي لا يفوت العمل بأحد منهما، وسار الإمام النانوتوي على هذا الأصل والمنهج في التعليق على البخاري بالإضافة إلى سائر مؤلفاته، نقدم مثالا منه:

نص: باب ما يجوز من اللو وقوله تعالى: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.

هامش: الحديث الذي رمز إليه البخاري بقوله ما يجوز من اللو؛ فإن فيه إشارة إلى أنها في الأصل لا يجوز إلا ما استثنى، وهو مخرج عند النسائي وابن ماجة والطحاوي من طريق محمد بن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـــ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، ولا تعجز، فإن غلبك أمر فقل قدر الله وما شاء الله، وإياك واللو فإن اللو تفتح عمل الشيطان، قال الطبراني: طريق الجمع بين هذا النهي وبين الأحاديث الدالة على الجواز، أن النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فالمعنى: لا تقل لشيء لم يقع: لو أني فعلت كذا لوقع كذا قاضيا بتحتم ذلك، غير مضمر في نفسك شرط مشية الله تعالى، وما ورد من قول لو محمول على ما إذا كان قائله موقنا بالشرط المذكور وهو أنه لا يقع شيء إلا بمشية الله وإرادته.

وقد اشتهر القول: إن “فقه البخاري في تراجمه” أي إن الإمام البخاري قد طرح فقهه في المسائل الشرعية المستنبطة من النصوص من خلال عقد الأبواب، فالأبواب التي عقدها الإمام كما تترجم الأحاديث تحتها، كذلك تترجم فقه البخاري ومذهبه، ولا يخفى أن الإمام البخاري عدل في الكثير من المسائل الفقهية عن الجمهور، فأدى الإمام النانوتوي مسؤولية إبراز وتحديد تلك المواقع من جامع البخاري، على أنه أتى بما ذهب إليه الجمهور، كما في المثال الآتي:

نص: كتاب المحاربين من أهل الكفرة والردة، وقول الله عزوجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

هامش: قوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ الخ) ظاهر الكلام البخاري أنه يريد بالذين يحاربون الله ورسوله في الآية الكريمة الكفار لا قطاع الطريق، وقال الجمهور هي في حق القطاع، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبوثور.

واستعان الإمام النانوتوي في تعليقاته بالعديد من العلوم العربية من أمثال النحو، والصرف، واللغة، والاشتقاق، والمعاني، والبيان وما إلى ذلك:

حديث: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الخ.

هامش: قوله: (إلا ظله) إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة تشريف؛ إذا الظل الحقيقي هو منزه عنه، لأنه من خواص الأجسام، أو ثمه محذوف أي: ظل عرشه، وقيل: المراد به: الكشف من المكاره في ذلك الموقف الذي دنت الشمس منهم واشتد عليهم الحر وأخذهم العرق، يقال: فلإن في ظل فلان أي: كنفه وحمايته، قوله: (عادل) أي الواضع كل شيء موضعه……… (ففاضت عيناه) فإن قلت: العين لا تفيض؛ بل الدمع؟ قلت: اسند الفيض إليها مبالغة كقوله تعالى: ترى أعينهم تفيض الدمع، قوله: (في المسجد) أي: بالمسجد، ومعناه: شديد الملازمة للجماعة فيه، قوله: (في الله) أي: بسببه كما ورد في النفس المؤمنة مائة إبل، أي بسببها، أي لا يكون المحبة لغرض دنياوي……

كان للإمام النانوتوي براعة فائقة في علم الكلام؛ بل كان إماما في علم الكلام الجديد، لو تم نقل كتب الإمام النانوتوي إلى اللغات العالمية الحية؛ لعرفت الدنيا العلمية علم كلام جديد، ولكن فترة الغفلة عن أداء مسؤولياتنا قد تجاوزت القرن. فقدم الإمام النانوتوي إشراقات علم الكلام في مكان بعد مكان في تعليقاته الأنيقة.

لم تتناول تعليقات النانوتوي بمتون الأحاديث فحسب؛ بل لو جاء حديث بطرق عديدة يختلف بعضه بعضا في الإسناد أو المتن؛ فعالجه النانوتوي معالجة مستفيضة مثلا:

حديث: عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ…..الخ» قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ حَدَّثَنَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، وَوَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: «دَعْهُ دَعْهُ».

هامش: قوله: (دعه دعه) مرتين، أي أترك هذا الإسناد الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة بين أبي وائل وبين عبد الله بن مسعود، قاله في الفتح، والحاصل: أن الثوري حدث بهذا الحديث عن ثلاثة أنفس حدثوه به عن أبي وائل، فأما الأعمش ومنصور، فأدخلا بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا ميسرة، وأما واصل فحذفه، فضبطه يحي القطان عن سفيان هكذا مفصلا، وأما عبد الرحمن فحدث به أولا بغير تفصيل، فيحمل رواية واصل على رواية منصور والأعمش، فجمع الثلاثة وأدخل أبا ميسرة في السند، فلما ذكر له عمرو بن علي عن يحي فصله، كأنه تردد فيه، فاقتصر على التحديث به عن سفيان عن منصور والأعمش حسب، فترك طريق واصل، وهذا معنى قوله دعه دعه، أي أتركه، والضمير للطريق التي اختلفا فيها، وهي رواية واصل، وقد زاد الهيثم بن خلف في رواية كما أخرجه الإعيلي عنه عن عمرو بن على بعد قوله دعه دعه، فلم يذكر فيه واصلا بعد ذلك، فعرف أن معنى قوله دعه أي أترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة، وقال في الكواكب: حاصله أن أبا وائل وإن كان قد روى كثيرا عن عبد الله، فإن هذا الحديث لم يروه عنه، قال وليس المراد بذلك الطعن عليه؛ لكن ظهر له ترجيح الرواية بإثبات الواسطة لموافقة الأكثرين، والذي جنح إليه في فتح الباري أنه إنما تركه لأجل التردد فيه، إلى كلام يطول ذكره والله الموفق والمعين. قس.

ودافع الإمام النانوتوي عن الإمام البخاري أكثر من مرة، فجاء البخاري بحديث عن شعبي عن علي، وادعى الإمام الحازمي أنه لم يثبت سماع الشعبي عن علي عند أئمة الحديث؛ فحقق الإمام النانوتوي نقلا عن الدار قطني والعيني. أنه يثبت سماعه عن علي في حديث واحد، وهو نفس الحديث الذي خرجه البخاري.

حديث: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يُحَدِّثُ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ رَجَمَ المَرْأَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَقَالَ: «قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

هامش: قوله: (الشعبي) قال الحازمي بالمهملة والزاي: لم يثبت للأئمة سماع الشعبي عن علي، وقيل للدارقطني: سمع الشعبي من علي؟ قال: سمع منه حرفا ما سمع منه غير هذا، كذا قال العيني، قلت: لعل البخاري لم يصح عنده سماع الشعبي عن علي الا هذا الحرف كما ذكره الدارقطني.

ربما يقع الاختلاف والاضطراب في متن الحديثين بواحد من الرواة، ومن ثم يجابه الناظر عائقا في فهم الحديث، ولا يمكن إدراكه ومعالجته إلا لمن له ملكة بارزة في الحديث وعلومه، قام الإمام النانوتوي بحل هذه المشاكل من البخاري.

حديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! …….. إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ……الخ.

هامش: قوله: (إن ابني) هذا كلام الأعرابي لا خصمه، مر في كتاب الصلح هكذا، جاء الأعرابي، فقال: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه، فقال صدق، فقال الأعرابي: ان الخ، هكذا قال الكرماني، وقال بعضهم: بل الذي قال: اقض بيننا هو والد العسيف، قلت الاختلاف في هذا على ابن أبي ذئب، يظهر ذلك بالتأمل. 

قد يصير معنى الحديث جراء الإجمال والاختصار خلافا للأحاديث الأخرى والقواعد الشرعية، استكشف الإمام النانوتوي مثل هذه الأحاديث في البخاري، وشرحه شرحا لا يبقي بعده خلاف ولا اعتراض.

حديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! …….. إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ……الخ.

هامش: قوله (فارجمها) فيه اختصار، أي فإن اعترفت بالزناء فارجمها، يشهد عليه سائر الروايات والقواعد الشرعية.

ومن ميزات التعليقات أن الإمام النانوتوي يأتي بمذاهب الأئمة الأربعة المتبوعين ومن إليهم، وأمثلته كثيرة.

حديث: إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا……الخ.

هامش: قوله (فليجلدها) فيه اقامة السيد الحد على عبده وأمته، وهي مسئلة خلافية، فقال الشافعى وأحمد وإسحاق: نعم في الحدود كلها، وهو قول جماعة من الصحابة، أقاموا الحدود على عبيدهم، منهم ابن عمر وابن مسعود وأنس بن مالك، وقال الثوري والأوزاعي يحد المولى في الزناء، وقال مالك والليث: يحده في الزناء والشرب والقذف، إذا شهد عنده الشهود وبإقرار العبد إلا القطع خاصة لا يقطعه إلا الإمام، وقال الكوفيون: لا يقيمها إلا الإمام خاصة، واحتجوا بما روي عن الحسن وعبد الله بن محيريز وعمرو بن عبد العزيز، أنهم قالوا: الجمعة والحدود والزكاة والنفي إلى السلطان خاصة.

والجدير بالذكر عن تعليقات الإمام أنه يشرح اسم بعض الرواة من السند ويقدم ترجمته بالإيجاز.

سند: وقال إبراهيم بن المندر حدثنا  معن…….

هامش: قوله (إبراهيم بن المنذر) على وزن اسم الفاعل من الإنذار، ابن عبد الله بن المنذر أبو إسحاق الخرامي المديني، وهو أحد مشائخ البخاري، وروى عنه في غير موضع، وروى عن محمد بن أبي غالب عنه حديثا في الديات، ومعن بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالنون ابن عيسى القزاز بالقاف وتشديد الزاي الأولى.

خاتمة البحث

توصلنا في نهاية المطاف لهذا البحث المتواضع إلى النتائج التالية:

كان منهج أصحاب الحديث الهنود في تدريس الحديث الشريف، منهج أصحاب السنن: من عرض مذاهب الأئمة المتبوعين وسرد دلائلهم، وإذا طعنت جماعة في الهند في المذهب الحنفي: أنه لا ينسجم مع الحديث الشريف، وأن الأحناف يقدمون العقل على النقل، فابتكر الإمام النانوتوي منهجا جديدا، وحقق المذهب الحنفي بالأحاديث وقدم الموافقة التامة للمذهب الحنفي مع الحديث الشريف.

قوض الإمام النانوتوي عن التعليقات على البخاري خيامها بالاختتام قبل نهاية 1269هـ/1852 م، وهو ابن 12 سنة يومئذ.

لم يقم الإمام النانوتوي بالتعليق على أقل من خمسة أجزاء لصحيح البخاري كما ذهب إليه عدد لا بأس به من المؤرخين والكتّاب وأصحاب العلم والمعرفة في الحديث الشريف.

تتسم تعليقات الإمام النانوتوي بميزات الشرح والتعليق كافة باعتباره شرحا وتعليقا لصحيح البخاري، بالإضافة إلى المباحث العقدية اللطيفة مصحوبة بعلم الكلام الجديد، وتحقيق التوفيق بين المذاهب الحنفية والحديث الشريف.

المصادر والمراجع

يتم أخذ هذه المقالة من مجلة الصحوة الإسلامية

المزيد مثل هذه المقالات الاشتراك الصحوة الإسلامية

Spread Islam
Read More

Leave a Reply

*