الطريق إلى المدينة

قراءة أدبية في كتاب الطريق إلى المدينة

تمهيد

يهب الله بعض الناس قدرات متميزة، كالحس المرهف، والبيان العالي، والشخصية النافذة، وغير ذلك من المواهب، يصبحون بها أصحاب عطاءات لا تتأتى لغيرهم، والشيخ أبو الحسن الندوي واحد من هولاء اجتمعت فيه قدرات كثيرة متنوعة، فكرية وأدبية ودعوية، وقدم أعمالًا رائعة في الدراسات الأدبية والنقدية، ومن روائع أعماله الإبداعية كتابه “الطريق إلى المدينة“.

 إن هذا الكتاب كتاب وفاء وحنان، وعاطفة ووجدان، يثير كامن الحب، يجد القارئ في هذا الكتاب صحائف رائعة تشعل جمرة الحب في قلب المسلم تجاه نبيه صلى الله عليه وسلم، وتؤجج العواطف الكريمة تجاه هذه الشخصية الحبيبة التي أرسلها الله رحمة للعالمين.

إنه كتاب صغير، ولكنه عظيم في الروعة والجمال، وإثارة الحب والعاطفة، والشعور والوجدان،وثري في المواد والعطاء والنوال، الذي يكشف عن موهبة المؤلف الأدبية الغنية، ويبرز دوره المشرق في التأصيل الإبداعي للأدب الإسلامي الذي كان من أول الدعاة إلى أهميته وتوطيد دعائمه، ويشير إلى ذلك قوله: “حاجتنا وحاجة هذا العهد، وحاجة العالم العربي بصفة خاصة، هي الأدب الهادف السليم، الدافق بالحيوية، المتدفق بالقوة، الذي يحمل رسالة سماوية إسلامية عالمية”.

تعريف وجيز بالكتاب وسبب تأليفه يقع الكتاب في 130صفحة في الطبعة الخامسة التي صدرت من المجمع الإسلامي العلمي، لكناؤ، والتي أنا بين يديها، وصدر منه عشرات من الطبع حتى الآن من مختلف المطابع العربية والهندية، طبع لأول مرة من المكتبة العلمية، المدينة المنورة، ثم طبع من المجمع الإسلامي العلمي-الهند، ودار القلم-دمشق، والمختار الإسلامي-القاهرة، ودار ابن كثير-دمشق وبيروت، وغيرها من دور النشر، وترجم إلى الإنجليزية والتركية والأردية، يتحلى جيد الكتاب بتقديم رائع من أديب العربية الشيخ علي الطنطاوي، وأما محتوى الكتاب فعلى النحو التالي:

  • الكتاب الذي لا أنسى فضله
  • محمد إقبال في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
  • وفود الأمة بين يدي نبيها صلى الله عليه وسلم
  • من غار حراء
  • ميلاد عالم جديد
  • في مهد الإسلام
  • البعثة المحمدية
  • صلة مسلمي العجم بالنبي العربي صلى الله عليه وسلم
  • شعراء العجم في مدح سيد العرب والعجم

تلقى هذا الكتاب قبولًا غير عادي بعد ما ظهر أول مرة، وأبدى كبار أهل القلم ورجال الفكر والأدب إعجابهم بهذا الكتاب، وتأثرهم العميق، وأثنوا عليه بالتعليق في الجرائد والمجلات، وحسب القارئ ماقاله أديب العربية الكبير العلامة علي الطنطاوي في تقديمه لهذا الكتاب : ” لقد كدت أفقد ثقتي بنفسي، ولكني لماقرأت كتابك يا أخي أبا الحسن “الطريق إلى المدينة” أحسست بالشوق يعود فيعتلج بنفسي، فعلمت أن قلبي ما خلا من جوهر الحب، …فيا أبا الحسن لك الشكر على أن رددت إلي ثقتي بنفسي، وثقتي بأدب لغتي، أما المقدمة التي طلبتها فأعفني منها، لأنك لست في حاجة إليها، ولا يحتاج إليها هذا الكتاب”.

تلقاه الناس بالقبول، وأذيع عدة مرات من محطة الإذاعة السعودية ومن محطة الإذاعة الهندية بمدينة لكناؤ بشكل تمثيلي رائع، وفاز بالجائزة، جدير بأن تتحلى به كل مكتبة، ويقرأه كل مسلم، وكل إنسان، والشباب منهم خاصة.

أما سبب تأليفه فنقرأ في أولى صفحاته مقدمة يبين فيه المؤلف غايته من الكتاب، فيقول: “وهال المؤلف وأفزعه ضعف العاطفة في هذه البلاد، وضعف الصلة الروحية والعاطفية بالنبي صلى الله عليه وسلم” فهو بذلك يجند نفسه لمواجهة ثورة يقدها العقل الفلسفي بدت في بلاد كانت مصدر الإيمان والحنان والعاطفة، وهوما يعد خطراً كبيراً، يمهد لكل ضعف، ولكل اضطراب، ولكل أنواع الفوضى، فجمع في سبيل هذا الأمر كل ما ألقى من محاضرات وأحاديث، وماكتب من مقالات في شخصية النبي الكريم، وعرض أشواق شعراء الإسلام وأشعارهم والمحبين في ديار العجم، وكان من حسن أدب المؤلف أنه اعتذر إلى صديقه محمد أسد صاحب كتاب “الطريق إلى مكة” الذي أخذ منه فكرة تسمية كتابه “الطريق إلى المدينة”.

قيمته الأدبية

مما لا شك فيه أن هذا الكتاب أكبر قيمته ومكانته أنه يتحدث عن سيد العرب والعجم خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وكفى له فخرًا ومكانة، ولكنه يزيده بهاء ورواء هو كونه في لغة الممدوح صلى الله عليه وسلم وفي لغته الفصحى الذي هو منتهى فصاحتها ومبلغ جمالها، كما أثر عنه قوله: “أنا أفصح العرب”، ومعلوم أن الأدب هو ملكة أو براعة راسخة في النفس، يتجلى فيها العقل الإنساني بالإنشاء والفن الكتابي، وهو تعبير راق عن المشاعر والأفكار، والآراء والخبرة الإنسانية.

وإن لغة مؤلف هذا الكتاب تتسم بأنها لغة عربية فصحى، أدبية بلاغية، ولغة دقيقة المعاني، ورقيقة المشاعر، ولغة الوعي العميق، والذاكرة القوية، ولغة تجمع بين القديم في سجعه والجديد في سلاسته، ولغة الصدق والصفا، والأصالة والتأصيل.

 والنص الأدبي لا يصطبغ بصبغته الفنية إلا إذا توافرت فيه عناصره من حسن امتزاج بين الألفاظ والمعاني، والخيال، والعاطفة، والموسيقى الشعرية، وما إلى ذلك، ونقرأ الكتاب قراءة أدبية فنجد أنه يحمل ألواناً من الخصائص الأدبية من نواح عديدة، أبرزها ما يلي:

 الألفاظ

والألفاظ هي بنية النص الأولية التي تحمل في داخلها دلالات نفسية ووجدانية ناطقة، تصور إحساس المبدع الذي يلتقطها، ونرى المؤلف أنه استخدم الألفاظفي هذا الكتاب بمهارة فائقة، فنظمها نصاً فريداً كالفنان الذي يلتقط دُررًا منثورة لينظمها عقدًا جميلًا في استخدام حساس ومبتكر للغة، فلم يستخدم لفظًا سوقيًا ولا حوشيًا، وظهر ببيانه القوي بما فيه من عناصر الطبع والصناعة ذوقه الرفيع وبلاغته الآسرة، والشاهد على ذلك قوله: “هذا هو “الحب” الذي كان أعظم الطبقات إفلاسًا فيه الطبقة العصرية المتعلمة في هذه الأمة، فكانت أجوفها روحًا، وأضعفها مقاومة، وأخفها وزنًا، وأكدرها حياة، وأضلها عملًا”.

 الأفكار

الأفكار عنصر هام وأساسي من عناصر النص الأدبي، تنبع من نظرة المبدع إلى الحياة والكون، وتفسيره لمظاهرالطبيعة والحياة والإنسان، وتبين أفكار النص اتجاه تفكير المبدع ومدى عمقه، والحقيقة أن الأدب الرفيع لم يخل قط من عنصر التفكير، فمن هذه الناحية كلك نجد هذا الكتاب أنه يمتاز بطلاقة الأفكار وأصالتها، وجمالها وصياغتها، وتحمل في طياتها قيماً تعيش في أذهان وقلوب القراء، ويظهر ذلك بوضوح في حديثه الذي أذاعته محطة دلهي، ضمه هذا الكتاب، وهو “ميلاد عالم جديد”، فإنه تساءل نفسه عدة أسئلة في البداية، ثم أجاب بنفسه في بثقة ويقين، فقال: “كان الجواب من غير نزاع ومن غير تردد، هو اليوم الذي ولد فيه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم”، ولا يكفي بها القدر بل يبل كلماته بأفكاره العميقة الواضحة، فيقول: “إنه هو اليوم الذي وجدت فيه الإنسانية الإيمان الذي فقدته وأفلست فيه من مدة طويلة، الإيمان بفاطر هذا الكون ووجدانيته، الإيمان بمصيرها..” تسلسل في تقديم فكرته النيرة بكل تماسك وترابط، حتى أوصلها إلى القمة. 

المعاني

والمعاني قوام كل ألوان الأدب، وعماد النص الأدبي،حتى تكاد تكون أهم عناصره، ولا شك أن الكتاب يحمل المعنىالرقيق العاطفي على ظهره في جميع محتوياته، وهنا ظهرت ثقافة المؤلف، وقراءاته التي وظفها في نصه،تميز بها المؤلف الجليل، فأبدع في المعاني الجميلة الرقيقة، فإنه يلجأ إلى التصريح -إذا اقتضى الأمر ذلك-، ويُكني ويُلمح ويُضمن للإيحاء ببعض المعاني مراعياً مقتضى الحال في بلاغته وإبداعه، وحسبنا شهادة مقتطف من هذا الكتاب: “لقد شهد التاريخ أنه لم يملك المفتاح الذي استطاع أن يفتح به الكعبة فحسب، بل ملك المفتاح الذي فتح به أقفال البشرية المعقدة التي أعيت عقلاء العالم كلهم، ذلك المفتاح هو القرآن الذي نزل عليه، والرسالة التي أكرمه الله بها، والذي لا يزال يقدم مساعدته لفض مشكلات جديدة، وفتح أقفال جديدة”.

الخيال

يحتل الخيال مكانة متميزة بين عناصر النص الأدبي، فهو ضرورة من ضروراته لإعادة صياغة وبناء الواقع في عالم الأدب،وهو القوة التي برزتفيها خبرات مؤلف هذا الكتاب المثالي، وقراءاته وثقافته وموهبته الفطرية،و خصوبة خيالهروت كلماته كتروية الماء الأزهار، فعن طريقه وقف المؤلف على أرض الواقع، واستلهم منها متحررًا من سلطان الواقع،وأعاد تنظيم صلة المسلمين العاطفية بالنبي صلى الله عليه وسلم بإدراك عميق، تشكلت فيه لغته في أثوابٍ جديدة وتصوراتٍ مبتكرة، فانطلق بخياله حراً إلى آفاق واسعة، ويسري ذلك في الكتاب كله سريان الروح من الجسد، ويتجلى بوضوح في إحدى مقالات هذا الكتاب خاصة، وهو “وفود الأمة بين يدي نبيها صلى الله عليه وسلم”، فقد أرى المؤلف القارئ بأفكاره المتسلسلة والمترابطة ما رآه في خياله البديع، يقول: “كنت أمس في الروضة في المسجد النبوي…ولكن سحابة غشيتني من الذكريات القديمة لم أستطع لها دفعاً، ولم أملك لها قهراً” ثم يبين لقاءه الخيالي في نتاسق عجيب مع عظماء هذه الأمة، وعباقرة الإنسانية، ونوابغ الوجود، والملوك والأمراء، والشعراء والأدباء، وكلهم يقول مجلجلًا ومتواضعًا: “لولا يارسول الله لما ارتفعت لنا راية، ولا رويت لنا رواية”.

العاطفة

ولا بد للعاطفة أن تكون صادقة وواقعية تنبع من سويداء نفس الكاتب، فلا مرية أن هذا النص الأدبي الذي نحن بصدده مرآة صادقة عكست ما كان يجيش بصدر مبدعه من مشاعر وأحاسيس، وما يعتمل في ذهنه من انفعالات وأفكار، وما يحسه من عاطفة تسيطر عليه، ويفوح أريجها في كل تعبير أو صورة أو معنى أو لفظة تلمسها عاطفته، واجتهد المؤلف للوصول إلى غايةتلونت ألفاظه وعباراته وصوره بلون عاطفته وتشكلت بشكل دوافع نفسه التي أحسها وعبر عنها بصدق، فالعاطفة هي روح هذا الكتاب، وهي التي قصد المؤلف إثارتها، فاستخدم كلمة “العاطفة” في مقدمته فقط فضلًا عن غيرها ست مرات، والشاهد قوله: “وإن الإنسان ليحمل في رأسه طموحًا لا يشبع، وهمة في قلبه لا تقف، وروحًا في جسمه لا تني، وقلبًا في جنبه لا يطمئن، فلا يروي غلته ولا يشبع جوعته هذا العالم الضيق، المتثاقل..وليس هذا العالم إلا شبحًا إذا قوبل بالعالم الآتي، ذلك هو الإيمان بالبعث والحياة الآخرة الذي هو تمام الإيمان، وثالث الأركان في الأديان”.

الأسلـوب

إن الأسلوب هو الكلمات التي تكوِّن الجمل والعبارات بصورتها اللفظية، فيمتاز الكتاب من هذه الناحية كذلك، فإنه يتسم أسلوبه الأدبي بوضوح تمثل في حسن اختيار الكلمات والجمل والأفكار الواضحة والمعبرة عن المعنى بلا تكلف ولا غموض، وراعى المؤلف التلاؤم والتناسب في مطابقة الأسلوب لمستوى إدراك القارئ، وبقوة تمثلت في فصاحة الكلمات، وجزالة التراكيب، وتماسك الجمل،وترابط العبارات، وصحة القواعد النحوية والصرفية والبلاغية، وجمال الذي تمثل في تآلف وانسجام كل عناصر هذا النص الأدبي في نسيج واحد متلاحم ومتماسك، نلمس فيه رقة الألفاظ، تسلسل الأفكار، نحس بعذوبة التصوير، ووحدة الموضوع والجو النفسي. 

الإيقاع الموسيقي

تصنع الموسيقى المنبعثة من هذا الكتاب أثراً جمالياً يتمثل في توازي الحركات الصوتية والدلالية، وحركات المعنى في إيقاع موسيقي جذاب ينبه القارئ، ويسترعي انتباهه ويمتعه بهذا الجمال، يظهر ذلك في ترجمته لأبيات للدكتور محمد إقبال: “نفسي فداؤك أيها الفارس الكريم! بالله اقبض العنان، وقف بي لحظة، أبث إليك بالأشجان والأحزان، وقد تلجلج لساني وخانني البيان، إنني في صراع بين سلطان الشوق وسلطان الأدب”، عرفت في هذا المقتبس حرارة الأسلوب الذي ينقلني إلى جو الشعر.

الاقتباس

ويفضل المؤلف الأسلوب القرآني في رونقه وجلائه، وكثيراً ما يستعين بما يسمى بالاقتباس في البديع، وهو أن يُضمن المتكلّم كلامه من شعر أو نثر كلامًا لغيره بلفظه أو بمعناه، وهذا الاقتباس يكون من القرآن المجيد، أو من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من الأمثال السائرة، أو من الْحِكَم المشهورة، أو من أقوال كبار البلغاء والشعراء المتداولة، دون أن يعزو المقتبس القول إلى قائله، ومن أشهر الأمثلة على هذا قول ابن سَنَاء الْمُلْك:

رحلوا فلست مُسائلًا عن دارهم … أنا “بَاخِعٌ نَفْسِي عَلَى آثَارِهمْ”

ومن خير أمثلة على ذلك قول المؤلف في هذا الكتاب: “ولولا دينه ورسالته، ولولا نبوته وبعثته، لما أخذت الأرض زخرفها، ولما أكملت السماوات زينتها”.

الاستشهاد بالأبيات

يستدل المؤلف بالأبياتالعربية وترجمة الأبيات الفارسية والأردية لتشويق القارئ إلى الاستمرار في القراءة، وهذا يدل علىحسه المرهف وذوقه الرائع، يقول: ” إن ذلك اليوم هو اليوم الذي يحق أن تنشد فيه الإنسانية في اعتزاز واهتزاز وبلاغة وإيجاز:

ولد الهدى فالكائنات ضياء

وفم الزمان تبسم وثناء”

وهذه ملامح لهذا الكتاب تتجلى من خلال قراءة عابرة لكتاب أدبي عاطفي حاولت أن أقوم بإبراز بعض جوانبه الأدبية، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن قصور علمي وقلة بضاعتي الأدبية، ولله الحمد أولًا وآخرًا.

يتم أخذ هذه المقالة من مجلة الصحوة الإسلامية

المزيد مثل هذه المقالات الاشتراك الصحوة الإسلامية

Share To All - شیر کریں سبسے
Read More

Leave a Reply

*