منهج الحافظ القسطلاني من الاستشفاع بالصالحين والتبرك بهم وشد الرحال إلى القبور من خلال كتابه

منهج الحافظ القسطلاني من الاستشفاع بالصالحين والتبرك بهم وشد الرحال إلى القبور من خلال كتابه

المبحث الثاني: موقفه من الاستشفاع بالصالحين، والتبرك بهم، وشد الرحال إلى القبور، وفيه المطالب التالية:

المطلب الأول: موقفه الاستشفاع بالصالحين:

دل الكتاب والسنة على أنَّ الاستشفاع بالصالحين في حياتهم ـــ بمعنى استجلاب دعواتهم الصالحة ـــ جائز، سواء كان ذلك في الحياة الدنيوية أو الأخروية(1).

أما الاستشفاع بهم بعد موتهم أو في حال غيابهم وعدم سماعهم فغير جائز؛ لأن في ذلك من الغلو المؤدي إلى الشرك بالله، ولأنه خلاف ما كان عليه السلف الصالح. وقد احتاط الشرع أعظم الحيطة فنفى عنه كل شائبة شرك، وحرّم كل وسيلة مفضية إلى الإخلال بقواعده؛ حتى يبقى مصون الحمى، بعيداً عن عوامل الزيغ والانحراف(2). “وعلى هذا النهج الواضح من المحافظة على التوحيد سار السلف الصالح وأئمة الهدى من بعدهم، ولم يسمحوا لأحد أن يخرق سياج التوحيد أو يستبيح بيضته “(3).

ولم يجيزوا لأحد أن يستشفع بميت أو يخاطب غائباً من الصالحين، ولم يكن أحد منهم يطلب من النبيr بعد موته أن يشفع له، ولا سأله شيئاً، ولا ذكر ذلك لأحد من أئمة المسلمين في كتبهم(4). وإذا علم كل ما سبق فقد وقع في كلام الحافظ القسطلاني ما يخالف هذا المنهج؛ وذلك أنه في شرح (بابُ: سُؤالِ النَّاسِا لإمامَ الاسْتِسْقَاءَ إذَاقَحَطُوا(5)؛ حيث ذكر البخاري فيه حديث استسقاء عمر بالعباس ـــ رضي الله عنهما ـــ (6)، نقل الحافظ القسطلاني عن ابن رشيد(7) فقال: “يحتمل أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى؛ لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم، فأحرى أن يقدموه للسؤال”. ثم نقل تحسين الحافظ ابن حجر له فقال:

“قال في “الفتح”(8): وهو حسن “(9).

وهذا الكلام فيه أنهم كانوا يسألون الله بذات العباس، وأن ذلك جائز، ولذلك جاز أن يتوسلوا بدعائه من باب أولى. وليس في حديث الاستسقاء بالعباس ما يدل على أنهم توسلوا بذاته أو يجاهه، بل جاء في بعض روايات الحديث ما بين أنهم توسلوا بدعاءه، وأشار القسطلاني نفسه إلى ذلك؛ فقال:” عن أنس بن مالك(10) أن عمر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه ـــ كان إذا قحطوا… استسقى بالعبــــــاس بن عبد المطلب ـــ لرحم التي بينه وبين النبيr أراد عمر أن يصليها بمراعاة حقه من أمر بصلة الأرحام؛ ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله ـــ عالى ـــ (فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيناr) في حال حياته (فتسقينا وإنا) بعده (نتوسل إليك بعم نبينا) العباس (فاسقنا قال: فيسقون).

ثم ذكر في شرح الباب نفسه ما يدل على أنه يجيز الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وبيت النبوة بعد موتهم؛ فقال: “وقد حكى عن كعب الأحبار(11) أن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم “(12).

وقد ذكر الزُّبَيْرُبنُبكَّارِ(13) في “الأنساب” أن عمر استسقى بالعباس عام الرمادة ـــ أي بفتح الراء وتخفيف الميم ـــ وسمي به العام؛ لما حصل من شدة الجدب فاغبرت الأرض جداً “….وكان من دعاء العباس ذلك اليوم فيما ذكره في “الأنساب “(14):” اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة،وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخضبت الأرض وعاش الناس “وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول” (15).

و فهمه لتوسل عمر ـــ رضي الله عنه ـــ إنما كان بجاه العباس ـــ رضي الله عنه ـــ، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك. 

وأما سبب عدول عمر ـــ رضي الله عنه- عن التوسل بالرسول rوتوسله بدلاً منه بالعباس ـــ رضي الله عنه ـــ، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.

ففهمه غير صحيح، وتفسيره هذا مردود من وجوه كثيرة أهمها:

  • أن من القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضاً، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها.

ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين؛ ليفهم الكلام بوضوح وجلاء . ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة؛ ليتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي .r  ترى هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في داره، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله r، ثم دعوا ربهم قائلين: (اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث). مثلاً أم كانوا يأتون النبي rذاته فعلاً، ويطلبون منه أن يدعو الله ـــ تعالى ـــ لهم، فيحقق rطلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟

 أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقاً في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة ـــ رضوان الله تعالى ـــ عليهم، ولا يستطيع أحد من الخلفيين أو الطُّرُقيين أن يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي r، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة هو الأمر الثاني؛  إذ تبين أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي rإنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه r، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهـــــــــــــــم كانوا يتوسلون إلى الله ـــ تعالى ـــ بدعاء الرسول الكريم  rليس غير.

 ويرشد إلى ذلك قوله تبارك وتعالى:)وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ((16).

 والتوسل إلى الله ـــ عز وجل ـــ بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به ـــ سبحانه وتعالى ـــ، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر ـــ رضي الله عنه: ــ ـ)اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا(،أي: كنا إذا قل المطر مثلاً نذهب إلى النبي r، ونطلب منه أن يدعو لنا الله جل شأنه .

  • ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر ـــ رضي الله عنه ـــ :)وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، أي إننا بعد وفاة نبينا جئنا بالعباس عم النبي r، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا ـــ سبحانه ـــ ليغيثنا.

 تُرى لماذا عدل عمر ـــ رضي الله عنه ـــ عن التوسل بالنبي rإلى التوسل بالعباس ـــ رضي الله عنه ـــ ،مع العلم أن العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يذكر أمام شأن النبي rومقامه؟

 وهولأن التوسل بالنبيr غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه rويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤمنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمــــــه إلا الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ، فأنى لهم أن يحظوا بدعائه rوشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه:

) وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ( (17)،ولذلك لجأ عمر ـــ رضي الله عنه ـــ وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي rولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة ـــ لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس ـــ رضي الله عنه ـــ؛ لقرابته من النبي rمن ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية أخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي r، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي rممكناً، وما كان من المعقول أن يقر الصحابة ـــ رضوان الله عليهم ـــ عمر على ذلك أبداً، لأن الانصراف عن التوسل بالنبي rإلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي rفي الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة ـــ رضوان الله تعالى عليهم ـــ كانوا يعرفون قدر نبيهم rومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد، وكما لم يقبل أبو بكر أن يؤم المسلمين من بعده غير عمر فمن البديهي أن لا يقبل العباس أيضاً أن يتوسل الناس به، ويدعوا التوسل بالنبي r لو كان ذلك ممكناً. وبهذا يعلم بطلان الاستدلال بهذا الحديث على جواز التوسل بالذات أو الجاه.

وجاء في “مجلة البحوث الإسلامية” التابعة للرئاسة العامة للدعوة والإفتاء بالمملكة العربية السعودية الرد على شبهة جواز الاستشفاع بالصالحين بعد موتهم(18) ما نصه:

“الشبهة الأولى: حديـث استسـقاء  عمر  بالعباس الذي مر ذكـره في أدلة أهل السنة على مشروعية التوسلبدعاء الصالح الحي، وهو ما روي عن أنس بن مالك ـــ رضي الله عنه ـــ أن عمـر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه ـــ:” كـان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسلإليك بعم نبينا فاسقنا، قال : فيسقون”.

وجه استدلالهم : قالوا : ورد في الحديث ” “اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينافاسقنا”.

قالوا: المراد بعـم نبينــــــــــا، أي: بجاهه، فهم فهموا أن توسله بالعباس كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله وقـد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون .

وعللوا: عدول عمر ـــ رضي الله عنه ـــ عن التوسل بالرسول r إلى التوسل  بالعباس؛ لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.

الجواب: يقال لهم: استدلالكم خاطئ فإن عمر ـــ رضي الله عنه ـــ والصحابة إنما توسلوا بدعاء  العباس، ويدل على ذلك أمور منها:

1-أن عمر ـــ رضي الله عنه ـــ صرح بأنهم كانوا يتوسلون بالنبي r في حياته، وفي هذه الحادثة بالعباس.

2-ومما لا شك فيه أن التوسلين من نوع واحد وإذا تبين للقارئ أن توسلهم به r إنما كان بدعائه، فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه، ومما يؤكد.

3-أن توسلهم به r في حياته إنما كان بدعائه صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث: ﴿كانوا إذا قحطوا على عهد النبي r استسقوا به فيستسقي لهم فيسقون، فلما كان في إمارة عمر﴾ فذكر الحديث، فقوله: (فيستقي لهم) صريح في أنه r كان يطلب لهم السقيا من الله ـــ تعالى ـــ، وهذا هو التوسل بدعائه، كذلك حديث الأعرابي الذي دخل المسجد والرسول r يخطب وشكا له الجدب ونحوهما، كل ذلك يدل على أن توسلهم به r في حياته إنما كان بدعائه.

4-ما ورد في بعض روايات هذا الحديث الصحيحة أن العباس لما استقى به عمر دعا. يقول ابن حجر في “الفتح”: (وقد بين الزبير بن بكار في “الأنساب” صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال:

“اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث”.

هذه الرواية تدل على أنهم توسلوا بدعاء العباس لا بذاته؛ إذ لو كان التوسل بذاته أو جاهه لما كان هناك حاجة ليقوم العباس فيدعو بعد عمر بهذا الدعاء.

5-لو كان توسلهم بالعباس ـــ بذاته أو جاهه ـــ لما عدلوا عن النبي r إلى العباس إذ ذاته r أفضل، وجاهه أعظم من جاه العباس، لكن لما كان بدعائه والرسول r لا يمكن أن يدعو لهم لوفاته عدلوا إلى حي فاضل، فاختاروا العباس لفضله ـــ رضي الله عنهم ــــ

قال ابن تيمية ــــ رحمه الله ــــ: “ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: “اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا “يدل على أن التوسل المشروع عنهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس” (19).

كل ما ذكرنا يدل دلالة واضحة على أن توسل الصحابة بالعباس إنما كان بدعائه.

ويؤيد هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في “قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة” (20)،حيث قال:

 “فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات مالم يأذن به الله –تعالى–، قال الله تعالى: ﴿أم لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾(21). فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم، وسؤالهم، والاستغاثة بهم، والاستشفاع بهم في هذه الحال، ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم، هو من الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولاً، ولا أنزل به كتاباً، وليس هو واجباً، ولا مستحباً باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين”.

وجاء في تعليق سماحة الشيخ ابن باز ـــ رحمه الله ـــ على شرح الحافظ ابن حجر في “الفتح” ما يفيد عن عدول عمر عام الرمادة عن الاستسقاء بالعباس فقال ـــ رحمه الله ـــ:

“بل عدل عمر عنه لما وقع الجدب إلى الاستسقاء بالعباس، ولم ينكر ذلك عليه أحد مـن الصحابة، فعُلم أنَّ ذلك هو الحق “(22).

المطلب الثاني: موقفه من التبرك بهم

إن التبرك أصل العبادة وأسها والعبادة مبناها على الاتباع والتوقيف عن صاحب الشريعة، ولما لم يقتصر أهل الغلو والابتداع على الاتباع في التبرك بالموتى وما يتصل بهم كان لابد من إلقاء الضوء على هذه المسألة حتى يكون المسلم على بينة من أمره. ولنبدأ بتوضيح قواعد أساسية ذات علاقة بالموضوع لابد من الوقوف عليها:

الأولى: أن البركة كلها من الله وحده: فالرزق والنصر والعافية والأولاد والتوفيق للإيمان والتثبيت عند المسألة والشفاعة كلها من الله، فهو مالكها وواهبها. وإذا كانت من الله كان طلبها من غيره شركاً به(23)، نابعاً من اعتقاد سيء بأن هناك جالباً للرزق والنصر والعافية أو دافعاً للشر غيره سبحانه.

الثانية: أن طلب البركة بسبب شيء من الأشياء أمر شرعي فالذي يدل على حصول البركة من عدمها بسبب الشيء إنما هو الدليل الشرعي؛ لأن الأمور الدينية مبناها على النقل بخلاف الأمور الأخرى التي يمكن أن تكتشف بالعقل والتجربة.

الثـالثة: أن ما يتبرك به من الأعيان والأقوال والأفعال التي جاء الشرع عنها إنما هو سبب للبركة، وليس هو واهب البركة، كما أن ما يتداوى به من الأدوية والرقى الشرعية إنما هو سبب للشفاء وليس هو واهب الشفاء فالشافي هو الله ـــ تعالى ـــ.

الرابعة: أن طريقة التبرك بالمتبرك به الذي ثبتت له البركة شرعاً ليس سبيل معرفتها الاجتهاد وحسن الظن بل لا بد في ذلك من الاتباع، وإلا صار الإنسان متعرضاً للإنحراف في المعتقد والانخراط في سلك عبدة الأصنام والعياذ بالله.

الخامسة: أن التبرك لا يفيد غير المؤمن بالله الثابت على إيمانه لا سيما أمور الآخرة، فعـن ابن عمر ـــ رضي الله عنهما ـ(24) قال: “لما تُوُفِّيَ عَبْدُاللّهِ بنُ أُبَي َبْن  سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُاللّه ِبنُ عَبْدِاللّهِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ. فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ. فَأَعْطَاهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللّهِr لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللّهِr. فَقَالَ: يَارَسُولَ اللّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِr: إِنَّمَاخَيَّرَنِي اللّهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾(25)، وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ. قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ . وَأَنْزَلَ اللّهُ U: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (26). متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (27). فلم يفد عبد الله بن أُبي بركة قميص النبي r؛ إذ كان منافقاً.

والتبرك بذوات الأنبياء والصالحين وآثارهم الذي نحن بصدد دراسته لا يخلو من حالتين:

الأولى: التبرك بمجالستهم ودعائهم والاستفادة من علمهم ودلالتهم على الخير، فهذا مشروع وجائز، وهو الذي تدل عليه الأحاديث.

الثانية: التبرك بما سوى ذلك من ذواتهم وآثارهم كملابسهم وفضل ظهورهم وسؤرهم ومواطنهم، فهذا كله ليس بمشروع، وغير جائز .

ويفهم مــــن هذا أن التبرك قد يكون مشروعاً ،وقد يكون ممنوعاً، وكل ذلك موقوف على بيان من الشارع، كما جاء في الكتاب والسنة وفهمه سلف الأمة، لكن كثيراً من متأخري الأمة لم يلتزموا بفهم السلف في هذا الأمر، فجرّهم ذلك إلى حظيرة البدع والخرافات، وأوقعهم في حمأة الجهل والشركيا ت.

وممن خالف منهج السلف في هذا الموضوع الحافظ القسطلاني في كتابه: ( إرشاد الساري)؛ حيث أجاز التبرك بآثار الصالحين وفضلاتهم الطاهرة على الإطلاق، وذلك في مواضع عدة من كتابه بلغت فيما تتبعتعشرة مواضع، ومما ذكره في تلك المواضع ما يأتي:

  • نقل في شرح حديث ـــ عِتْبان بنَ مالكٍ(28) في دعوته للنبي rليصلي في بَيته فيتخذَهُ مُصلًّى (29)ـــ عن ابن حجر قوله: “كونه للتبرك؛ لأن اطلاعه بالوحي على الجزم بأن ذلك سيقع غير مستبعد” ولم يتعقبه (30).
  • وقوله ـــ في شرح حديث أمِّ عطَّيةَ الأنصاريةِ ـــ رضيَ اللّهُ عنها ـــ (31) قالت: ” دَخَلَ علينا رسولُ اللّهِrحين َتُوُفِّيَت ابنتُه فقال: اغْسِلْنَها ثلاثاً أوخمساً أو أكثر مِن ذلك إن رأيتنّ َذلك بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلنَ في الآخرِةِ كافوراً أوشيئاً من كافور. فإِذا فرَغتنّ َفآذِنَّني. فلما فرَغنا آذَنَّاهُ، فأعطانا حِقوَهُ فقال: أشعِرْنَها إيَّاهُ،تعني: إزارَه) (32) ـــ في قوله : تعني: إزارَه: “إنما فعل ذلك؛ لينالها بركة ثوبه وأخره ولم يناولها إياه أولا؛ ليكون قريب العهد من جسده المكرم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل لا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم “(33).
  • وقوله في شرح حديث أنسُ بنُ مالكٍ ـــ رضي اللّهُ عنهُ ـــ قال: “غَدَوْت ُإلى رسولِ اللّهِ rبِعَبْدِاللهِ بنِ أبي طلحة(34) لِيُحَنِّكَهُ، فوافيتهُ في يدهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبل الصَّدقةِ”(35):

“ليحنكه” تبركاً به وبريقه ويده ودعائه، وهو أن يمضغ التمرة، ويجعهل في فم الصبي ويحك بها في حنكه بسبابته حتى تتحلل في حنكه”(36).

  • وقوله ـــ في شرح حديثقصة الحديبية (37) الطويل، وفيه: “فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ،…..” ـــ (39) “وجهه وجلده: “تبركا بفضلاته”(40).
  • وقوله في شرح حديث(41) عائشة أم المؤمنين: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي المَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا»:

“بالمعوذات” وهذا هو الطب الروحاني وإذ كان على لسان الأبرار حصل به الشفاء قال القاضي عياض(42) “فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي يمسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر”(43).

هذا بعض ما ذكره الحافظ القسطلاني في التبرك بالصالحين وآثارهم وفضلاتهم (44)، ولعل القارئ لاحظ أنه أعتمد على الأحاديث التي تدل على أن الصحابة ـــ رضي الله عنهم ـــ كانوا يتبركون بالنبي r، ففهم من ذلك جواز التبرك بغيره من الصالحين. ولا شك أن هذه الأحاديث وأحاديث أخرى تدل عليها دلالة ظاهرة على أن التبرك بالنبي rوبآثاره مشروع، فإن النبي rمبارك في ذاته وآثاره وأفعاله، وكان صحابته الكرام يعرفون ذلك وأقرهم النبي rعليه.

ولكن هل يقاس على النبي rغيره من الصالحين فيُتبرك به وبآثاره كما ذهب إليه الحافظ القسطلاني؟

الواقع أنه لا يوجد هناك أي دليل على جواز التبرك بغير النبي r، فلم يؤثر عن النبي r أنه أمر بالتبرك بغيره من الصحابة ـــ رضي الله عنهم ـــ t أو غيرهم، سواء بذواتهم، أو بآثارهم، أو أرشد إلى شيء من ذلك. وكذا لم يُنقل حصول هذا النوع من التبرك من قبل الصحابة بغيره، لا في حياته r، ولا بعد مماته (45).

ولهـــــذا ذهب المحققون من علماء أهل السنة والجماعة إلى أن التبرك بذوات الصالحين وبآثارهم غير مشروع، بل هو من التبرك الممنوع .

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي(46) وهو يشرح قوله: (ومن تشبه بقوم فهو منهم)(47).

“كذلك المبالغة في تعظيم الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو المنهي عنه.وقد كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين ـــ رضي الله عنهم ـــ يكرهون أن يطلب منهم الدعاء، ويقولون: (أأنبياء نحن؟)، فدل على أن هذه المنزلة لا تنبغي إلا للأنبياء ـــ عليهم السلام ـــ، وكذلك التبرك بالآثار فإنما كان يفعله الصحابة ـــ رضي الله عنهم ـــ مع النبي r، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم. فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي r، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره، وشرب فضل شرابه وطعامه. وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظَّم وللمعظِّم؛ لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك. كل هذا إنما جاء من التشبه بأهل الكتاب والمشركين الذي نهيت عنه الأمة “(48).

وبكل ما سبق يتبين أن ما رآه الحافظ القسطلاني من قياس الصالحين على الرسول r في جواز التبرك بذواتهم وآثارهم غير صحيح، وأن هذا النوع من التبرك ممنوع؛ لأنه يخالف إجماع السلف الصالح.

وقد علق الشيخ العلامة ابن باز ـــ رحمه الله ـــ على معظم المواضع التي ذكر فيها الحافظ ابن حجر ـــ ونقل كثير من شرحه الحافظ القسطلاني في كتابه إرشاد الساري ـــ جواز التبرك بذوات الصالحين وآثارهم وبين أن ذلك غلط، وأنه من وسائل الشرك، فيجب منعه سداً للذريعة، وحماية لجناب التوحيد(49).

ولم يقتصر تجويز الحافظ القسطلاني التبرك بالصالحين على ذواتهم وآثارهم فحسب، بل تعدى ذلك إلى قبورهم، وهذا أخطر؛ لأن الفتنة بالقبور، ووقوع الشرك بها كثير في الناس، وذلك جاءت النصوص كثيرة صريحة في الشريعة الإسلامية تحذر من تعظيم القبور واتخاذها مساجد(50)، ومن تلك النصوص حديث عائشة: أن أم حبيبة(51) وأم سلمة ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»(52).

وهذا الحديث شرحه القسطلاني في (أرشاد الساري) ونقل في شرحه عن البيضاوي قال: “لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها. واتخذوها أوثاناً لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك. فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد “(53).

وهذا الكلام نقله القسطلاني مقراً له، وتضمن تجويز اتخاذ المسجد بجوار قبر الرجل الصالح للتبرك، ولا شك أن هذا ذريعة إلى تعظيم القبور واتخاذها مساجد، الأمر الذي نهت عنه الشريعة، وقد علق سماحة الشيخ ابن باز ـــ رحمه الله ـــ على هذا الموضع فقال(54): “هذا غلط واضح، والصواب تحريم ذلك، ودخوله تحت الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد، فانتبه واحذر، والله الموفق”. وفي موضع آخر من (إرشاد الساري) ذكر الحافظ القسطلاني جواز تقبيل قبور الصالحين(55).

وكل هذا من أنواع الغلو في الصالحين المفضي إلى الشرك، ويتعارض مع نصوص الشريعة، وما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقيدة، وكمال التوحيد، والبراءة من وسائل الشرك، والله المستعان.

المطلب الثالث: موقفه من شدّ الرحال إلى القبور

اتفق العلماء على أن زيارة القبور دون شد الرحال إليها جائز(56)، إذا كانت على الصفة الشرعية (57)، واختلفوا في شدّرالرحال إليها، وأصل هذاالخلاف هو مفهوم قول رَسُولُ اللّهِr: “لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى “58). حيث فهم البعض من هذا الحديث منع شد الرحل لقصد العبادة والقربة إلى غير هذه المساجد، ولم يفهم البعض الآخر ذلك منه.

وتعرض الحافظ القسطلاني لهذه القضة في “إرشاد الساري” فذكر الخلاف فيها، واختار ما أدى إليه اجتهاده، وتطرق إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ـــ رحمه الله ـــ في هذه القضية، وبين موقفه منه، وفيما يلي بيان منهج الحافظ في المسألة:

بيان معنى (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالَ)

شرح الحافظ حديث شد الرحال الذي رواه البخاري في “صحيحه” كما تقدم ذكر لفظه، فقال:

“بضم المثناة الفوقية وفتح المعجمة والرحال ـــ بالمهملة ـــ: جمع رحل للبعير كالسرج للفرس وهو أصغر من القتب وشده كناية عن السفر؛ لأنه لازم له، والتعبير بشدها خرج مخرج الغالب في ركوبها للمسافر فلا فرق بين ركوب الرواحل وغيرها، والمشي في هذا المعنى ويدل لذلك قوله في بعض طرقه: (إِنَّمَايُسَافَرُ…) أخرجه مسلم(59)، والنفي هنا بمعنى المنهي أي لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه “.

وكلامه هنا جيد في بيان المراد بقوله: (لاَتُشَدُّالرِّحَالَ ).

  • موقفه من فتوى ابن تيمية بمنع شد الرحال لزيارة قبر المصطفى r

إن القول بمنع شد الرحال إلى القبور والمشاهد هو مذهب جمهور العلماء المعتبرين، والأئمة المشهورين، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف في المسألة وذكر القولين فيها ، وبين أن القول بالجواز هو قول طائفة من المتاأخرين ، فقال:

“وما علمته منقولاً عن أحد من المتقدمين “(60).

وذكر شيخ الإسلام قبل ذلك أن السفر لزيارة القبور بدعة، ولم يكن في عصر السلف، وأنه مشتمل على معاني النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ولذلك اعتبر بعض العلماء مثل هذا السفر سفر معصية، لا يجوز قصر الصلاة فيه(61).

وقد امتحن ابن تيمية ـــ رحمه الله ـــ بسبب نصره للقول الراجح بعدم شرعية شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بما في ذلك قبر المصطفى r؛ لعدم وجود دليل ثابت يخصصه من عموم النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، وهو لم يتفرد بهذا القول، بل قال به أئمة أعلام قبله وبعده(62)، ولكنه مني بخصوم وحساد من متعصبة الفرق المبتدعة وعلماء المذاهب الفقهية الذين قد أزعجتهم دعوة الشيخ إلى السنة، ونصرته لمنهج السلف في العقيدة والسلوك.

وأشار الحافظ القسطلاني إلى هذا الأمر في شرحه لحديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، وبين موقفه من رأي ابن تيمية في مسألة الزيارة ،فقال:

“وقد بطل من التقدير: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه المعتضد بحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَرْوِيّ ِفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تُشَدَّ رِحَالُهُ إِلَى مَسْجِدٍ يُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ، غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا» (63). هذا قول ابن تيمية حيث منع من زيارة قبر النبيr وهو من أبشع المسائل المنقولة عنه، وقد أجاب المحققون من أصحابه أنه كره اللفظ أدبا، لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القرب الموصلة إلى ذي الجلال، وأنّ مشروعيتها محلّ إجماع بلا نزاع “فشد الرحال للزيارة ونحوها كطلب علم ليس إلى المكان بل إلى من فيه. وقد التبس ذلك على بعضهم كما قاله المحقق تقي الدين السبكي(64) فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة إلى غير الثلاثة داخل في المنع(65) وهو خطأ ؛ لأن الاستثناء ـــ كما مر ـــ إنما يكون من جنس المستثنى منه كما إذا قلت: لا رأيت إلا زيداً كان تقديره ما رأيت رجلاً واحداً إلا زيداً إلا ما رأيت شيئا أو حيواناً إلا زيداً “(66).

اشتمل كلام الحافظ القسطلاني على بيان موقفه مما ذهب إليه ابن تيمية من القول بعدم مشروعية شد الرحال لزيارة قبر الرسول r حيث وصفه بأنه من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية، وهذا بطبيعة الحال مبني على ظن الحافظ بأن شد الرحال لزيارة قبور الصالحين من الأمور المشروعة في الدين، وإذا كان كذلك فكيف بقبر سيد البشر عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ؟

 إلا أنه قد تبين بطلان هذا الظن؛ لكونه لم يستند على دليل مقبول في الدين، ومسألةكهذه من المسائل الدينية لا تبنى على الظنون والأوهام، ولا تقبل إلا بدليل صحيح.

وشيخ الإسلام ابن تيمية قد بنى قوله بعدم مشروعية شد الرحال لزيارة القبر الشريف على أصلين هامين تجب مراعاتهما في جميع أمور الدين:

الأصل الأول: أن العبادات مبنية على الحظر إلا بإذن من الشارع، ودليل ذلك قوله تعالى:

﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾(67)، وقوله r: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(68).

والأصل الثاني: أن الأمور الدينية تؤخذ بفهم السلف الصالح ومنهجهم فيالعمل، فما لم يكن ديناً في الأول لا يكون اليوم ديناً، ووصف الرسول r الفرقة الناجية من أمته فقال: (من كان على مثل ما أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) (69).

وقال الإمام الأوزاعي ـــ رحمه الله ـــ: “اصبــــر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم “(70).

وهكذا فإن شيخ الإسلام قال بما قال في هذه المسألة؛ لأنه لم يرد دليل من الشارع على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره r، ومن باب أولى قبر غيره من الصالحين؛ ولأن هذا لم يكن معروفاً في عهد السلف، ولم ينقل عنهم القول يجواز ذلك. وأما ما يروى من الأحاديث في زيارة قبره r فكلها أحاديث واهية ومكذوبة، كما بين ذلك أهل العلم الحديث(71)، ولذلك لم يعرفها السلف ولم يعملوابها.

وثمة ملاحظتان أخرتان على ما ذكره الحافظ القسطلاني:

الأولى: قوله: “وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة “، وهذاالقول خلاف الصواب، بل الصواب ما أجب به القاضي عياض ــ رحمه الله ـ وهو من أكبر محققي المالكية، ونقل القول المذكور سابقاً عن الإمام مالك ـــ رحمه الله ـــ، وذكر من أجاب عنه من المالكية بمثل ما ذكر الحافظ القسطلاني، ثم رد ذلك الجواب وقال: “والأولى عندي أن منع وكراهة مالك له؛ لإضافته إلى قبرالنبي r، لقوله r: «اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (72)، فحمى إضافة الفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك قطعاً للذريعة، وحسماً للباب، والله أعلم “(73).

 وهذا الجواب هو الذي يتفق مع منهج السلف في باب التوحيد والتحذير من الشرك .

وأخيراً أنقل ما علق به سماحة الشيخ ابن باز ـــ رحمه الله ـــ على كلام الحافظ ابن حجر والذي نقله القسطلاني في “إرشاد الساري”، فقال ابن باز ـــ رحمه الله ـــ: “والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي r كلها ضعيفة، بل موضوعة، كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره عليه الصلاة والسلام من دون قصد المسجد، بل تكون عامة مطلقة، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، يخصها ويقيدها، والشيخ لم ينكر زيارة قبر النبي r، من دون شد الرحال، وإنما أنكر شد الرحل من أجلها مجرداً عن قصد المسجد، فتنبه وافهم، والله أعلم “.

وبذلك يتضح أن الحافظ القسطلاني كان مجانباً لصواب في هذه المسألة، خارجاً عن منهج التحقيق فيما ذكره ونسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية، غفر الله للجميع ورحمهم.

والثانية: تقدير المستثنى في الحديث وهو نقطة الخلاف في مسألة شد الرحال إلى القبور أو المشاهد، وذلك لأن الاستثناء الوارد في الحديث استثناء مفرغ لم يذكر فيه المستثنى منه ،ومن هنا اختلفت الأفهام في تقدير المستثنى منه؛ حيث قدرها البعض عاماً فيالبقاع التي تقصد للتقرب والعبادة، ويكـــــون التقدير: لا تشد الرحال إلى بقعة لقصد القربة إلا إلى ثلاثة مساجد، فيكون المستثنى منه عاماً في المساجد وغيرها، كالمشاهد والقبور. وقدر البعض خاصاً بالمساجد  ويكون التقدير : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد لقصد العبادة فيه إلا إلى ثلاثة مساجد، وعليه فلا يشمل المنع من شد الرحل إلى غير المساجد كالقبور والمشاهد.

واختار الحافظ القسطلاني هذا التقدير الثاني فقال: “فشد الرحال للزيارة ونحوها كطلب علم ليس إلى المكان بل إلى من فيه. وقد التبس ذلك على بعضهم كما قاله المحقق تقي الدين السبكي فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة إلى غير الثلاثة داخل في المنع وهو خطأ؛ لأن الاستثناء ـــ كما مر ـــ إنما يكون من جنس المستثنى منه كما إذا قلت: لا رأيت إلا زيداً كان تقديره ما رأيت رجلاً واحداً إلا زيداً إلا ما رأيت شيئا أو حيواناً إلا زيداً “.

وهكذا يذهب الحافظ القسطلاني إلى جعلالنهي في الحديث خاصاً في السفر إلى المسجد، ويجيز ـــ بناء على ذلك ـــ السفر إلى قبور الصالحين.

وما ذهب إليه في هذه المسألة وإن كان وافق فيه بعض العلماء المتأخرين، فقد خالف فيه مذهب السلف وجمهور الأئمة من أصحاب المذاهب الأربعة(74).

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتزكو الأعمال الباقيات. والصلاة والسلام على خير الأنام محمد، وعلى الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد: فهنا أبين أهم النتائج التي توصلت إليها وأجملها فيما يأتي:

  • لم يجز السلف الصالح لأحد أن يستشفع بميت أو يخاطب غائباً من الصالحين، ولم يكن أحد منهم يطلب من النبيrبعد موته أن يشفع له، ولا سأله شيئاً، ولا ذكر ذلك لأحد من أئمة المسلمين في كتبهم.
  • أجاز الحافظ القسطلاني الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وبيت النبوة بعد موتهم.
  • ذهب المحققون من علماء أهل السنة والجماعة إلى أن التبرك بذوات الصالحين وبآثارهم غير مشروع، بل هو من التبرك الممنوع.
  • أجاز الحافظ القسطلاني التبرك بآثار الصالحين وفضلاتهم الطاهرة على الإطلاق.
  • تجويزه اتخاذ المسجد بجوار قبر الرجل الصالح للتبرك، ولا شك أن هذا ذريعة إلى تعظيم القبور واتخاذها مساجد، الأمر الذي نهت عنه الشريعة.
  • كان كلامه جيد في بيان المراد بقوله: ((لاَتُشَدُّالرِّحَالَ ).
  • أن الحافظ القسطلاني كان مجانباً للصواب، خارجاً عن منهج التحقيق فيما ذكره ونسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية.
  • ذهب الحافظ القسطلاني إلى جعل النهي في حديث شد الرحال خاصاً في السفر إلى المسجد، ويجيز ـــ بناء على ذلك ـــ السفر إلى قبور الصالحين.

هذه الأمور التي توصلت إليها من خلال بحثي هذا وإني إذ أكتب أعترف بتقصيري عن إعطاء هذا الموضوع حقه، لكني أرجو أن أكون قد وقفت لإظهار عقيدة أهل السنة والجماعة فيه، ولو ببعض الاختصار وما لا يدرك جله لا يترك كله.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هديه إلى يوم الدين.

يتم أخذ هذه المقالة من مجلة الصحوة الإسلامية

المزيد مثل هذه المقالات الاشتراك الصحوة الإسلامية

——————————————————————————————

الهوامش

(1)        مما يدل على جواز الاستشفاع في الحياة الدنيوية حديث أنس ـــ رضي الله عنه ـــ في استشفاع الأعرابي بالنبي r  عندما أصاب الناس قحط على عهده r، فدعا الله ـــ تعالى ـــ فسقوا، والحديث رواه البخاري في “صحيحه” ـــ مع الفتح ـــ (2/509)، ب: إذا استشفعوا إلى الإمام ليستقي لهم .ويدل على جــواز الاستشفاع في الآخرة حديث ابن عمر ـــ رضي الله عنهما ـــ الذي رواه لبخاري في “صحيحه” (4/ 1478) ح (4600)، ولفظه: (إنَّ الناسَ يَصيرونَ يومَ القيامةِ جُثاً، كل أمةٍ تَتبَعُ نبيّها. يقولون : يا فلانُ اشفَعْ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبيِّ r، فذلكَ يومَ يَبعثُهُ اللَّهُ المقامَ المحمود ).

(2) ينظر/ دعوة التوحيد للهراس (ص60).

(3) المرجع السابق (ص63).

(4) ينظر/كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا كتابه “قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة” بتحقيق فضيلة الشيخ ربيع المدخلي (ص25).

(5) أي أصابهم القحط .ينظر/الصحاح للجوهري(1/90)، والمخصص(14/ 25 5).

(6)    الحديث من رواية أنس ـــ رضي الله عنه ـــ ولفظه: “أن عمر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه ـــ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال لهم: كان إِذا قحَطوا استسقى بالعبّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ فقال: اللّهمَّ إِنا كنّا== نَتوسَّلُ إليكَ بنبِّينا فتَسقِينا، وَإِنا نتوسَّلُ إِليكَ بعَمِّ نبيِّنا فاسقِنا. قال: فيُسقونَ” رواه البخاري في “صحيحه” (1/342) ح (997)، ك: الاستسقاء.

(7) هو محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس الفهري، أبو عبد الله، محب الدين، السبتي، المالكي، المعروف بابن رشيد، الحافظ العلامة، من كتبه: “ترجمان التراجم في إبداء مناسبات تراجم صحيح البخاري”، وغير ذلك .توفي سنة 721هـ.ينظر / الدرر الكامنة (4/229  -231) .

(8) (2/495).

(9) إرشاد الساري (7/95).

(10) هو: أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري الخزرجي الصحابي الجليل، خادم النبي r، وأحد المكثرين رواية للحديث، ولد بالمدينة النبوية، ومات بالبصرة سنة 93هأ، وقيل غير ذلك.

الاستيعاب لابن عبد البر (1/109-111) ، والإصابة لابن حجر (1/126-129).

(11) هو: كعب بن ماتع الحميريّ، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، من أوعية العلم، وكبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر الصديق، وقدم من اليمن في دولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأخذ عن الصحابة وغيرهم، وأخذ هو من الكتاب والسنة عن الصحابة، ثم سكن الشام ، وتوفي في خلافة عثمان وقد زاد عن المائة.ينظر/تذكرة الحفاظ للذهبي (1/52)، وتقريب التهذيب لابن حجر (2/135).

 (12) هذا من الإسرائليات، وذكره العيني في “عمدة القاري” (7/29)، والغزالي في “الإحياء” (3/96) بنحوه.

(13) هو: الزّبَيْرُ بنُ بَكّارٍ بنِ عَبْدِ اللّهِ بنِ مُصْعَب بنِ ثَابِتٍ بنِ عَبْدِ اللّهِ بنِ الزّبَيْرِ بنِ العَوّام القُرَشِي الأسَدِي الزّبَيْرِي، أبُو عَبْدِ اللّهِ بنِ أبِي بَكْرٍ المَدَنِي، قَاضِي مَكّة. مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ.ثقة ثَبْتا عالِما بالنّسَب عارِفا بأخْبار المُتَقدّمين وماثِر الماضين، وله الكتابُ المُصَنّف في نَسَب قُرَيشٍ وأخْبارِها، وولي القضاءَ بمكة، ووَرَد بغداد وحَدّث بها. ينظر/ تهذيب الكمال للمزي (6/269)، والسير (10/224).

(14) ذكره الحافظ ابن حجر في “الفتح” (1/495)، وسكت عنه، وابن قتيبة في “عيون الأخبار” (2/302)، والشوكاني في “سبل السلام” (2/ 698). والسند ضعيف بل في غاية فيالضعف، فقد روى ابن عساكر في “تاريخ دمشق”  (28/ 188) هذه الرواية فقال: “أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد وأبو غالب أحمد وأبوعبد الله يحيى ابنا الحسن، قالوا: أنا محمد بن أحمد بن محمد بن عمر، أنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس، نا أحمد بن سليمان hبن داود، نا الزبيرابن عبد الله، حدثني يحيى بن محمد، عن نعيم بن أيوب، عن الكلبي، عن أبي صالح أن الأرض أجدبت على عهد عمر بن الخطاب حتى التقتالرعاء وألقت العصا وعطلت النعم وكسر العظم، فقال كعب الأحبار: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم أشباه هذا اسْتَسْقُوا بعصبة الأنبياء، فقال عمر: هذا عم النبي r صِنْوُ أبيه، وسيّد بني هاشم، فشكا إليه عمر ما فيه الناس، فصعد عمر المنبروصعد معه العباس، فقال عمر: “اللهم إنا توجهنا إليك بعمّ نبيّك وصِنْوِ أبيه، فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين”، ثم قال عمر: قل يا أباالفضل، فقال العباس: “اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة فاسقنا الغيث”، فأرخت السماءشآبيب مثل الجبال بديمة حتى أسقوا الحفر بالآكلام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس، فقال عمر: هذا الوسيلة إلى الله والمكان منه” .

والزبير هو الزبير بن بكار ولعله نسبه هنا إلى جده، إذ الراوي عنه تلميذه أحمد بن سليمان الطوسي، وقد أهداه الزبير كتاب النسب له .

والسند كما يظهر لا يُفرح به؛ إذ وجود الكلبي فيه يكفي لطرحه، ومع ذلك ففيه مجاهيل أيضاً. ينظر/ التقريب (2/565).

أما كتاب الأنساب الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر فغالب الظن أنه نسب قريش، وقد طبع جزءٌ منه، والحديث ليس في هذا الجزء، واللهأعلم .

(15) المصدر نفسه (2/238).

(16) النساء ، الآية : 64.

(17) المؤمنون، الآية : 54.

(18) (74/162-166).

(19) مجموع الفتاوى (1/223).

(20) (ص25).

(21) الشورى، جزء من الآية: 21.

(22) الفتح (2/495) .

(23) جاء في حديث عبد الله بن مسعود ـــ رضي الله عنه ـــ قال: “كنّا نعدُّ الآيات برَكةً، وأنتم تعُدُّونها تخويفاً، كنّا معَ رسولِ الله r في سفر فقلَّ الماء، فقال: اطلُبوا فضلةً من ماءٍ، فجاؤوا بإِناءٍ فيه ماءٌ قليل، فأدخلَ يدَهُ في الإناءِ ثم قال: حيَّ على الطَّهورِ المبارَك، والبركة منَ الله، فلقد رأيتُ الماءَ يَنُبعُ من بينِ أصابع رسولِ اللهِ r، ولقد كنّا نسمعُ تَسبيحَ الطعامِ وهوَ يُؤكل”. رواه البخاري في “صحيحه” (3/1311) ح (3503)، ك: المناقب، ب: علاماتِ النُّبُوَّةِ في الإِسلام.

(24) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، وأسلم وهاجر مع أبيه، واستصغر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة ، ثم أجيز بالخندق. وهو أحد المكثرين من الصحابة عن النبي r، وأحد العبادلة، وكان من أشد الناس اتباعاً للأثر، توفي سنة 73هـ رضي الله عنه. ينظر/الإصابة (4/181-188).

(25) التوبة، جزء من الآية: 80.

(26) التوبة، الآية: 84.

(27) رواه البخاري في “صحيحه” (4/102) ح (1869، ك: الجنائز، ب: (22)، ومسلم في “صحيحه” (15/140) ح (6160)، ك: فضائل الصحابة، ب: من فضائل عمر.

(28)  هو: عِتْبَان بنُ مَالِك بن عَمْرو بن العَجْلان عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السالمي، صحابي مشهور، مات في خلافة معاوية، يعد في أهل المدينة. الاستيعاب (3/304)، والإصابة (4/358).

(29) رواه البخاري في “صحيحه” (1/163) ح(421)، ك: الصلاة، ب: المساجد في البيوت.

(30) إرشاد الساري (1/427).

(31) هي: أم عطية الأنصارية،اسمها نسيبة ـــ بنون وسين مهملة وباء موحدة مصغر، وقيل: بفتح النون وكسر السين ـــ معروفة باسمها وكنيتها وهي بنت الحارث، وقيل: بنت كعب. تعد في أهل البصرة كانت من كبــار نساء الصحابة ـــ رضوان الله عليهم أجمعين ـــ، وكانت تغزو كثيراً مع رسول الله rتمرض المرضى وتداوي الجرحى، وشهدت غسل ابنة رسول الله r وحكت ذلك فأتقنت، عن النبيr أحاديث. ينظر/ الاستيعاب (4/501)،والإصابة (4/437).

(23)  رواه البخاري في “صحيحه” (1/422)ح (1233)، ك: الجنائز، ب: غُسلِ الميِّتِ ووضُوئهِ بالماءِ والسِّدْر.

(33)  إرشاد الساري (2/384).

(34) عَبْدُ الله بنُ أبي طَلْحَة زَيدِ بنِ سَهْل بن الأسْوَد بن حَرَام. أنصاري من الخزرج، ثم من بني مالك بن النجار، يكــــنى أبا يحيى. وهو أخو أنَسِ بن مالك لأُمه، أمهما أم سُلَيم بنت مِلْحَان، وشهد عبد الله بن أبي طلحة مع علي صفين .

ينظر/الاستيعاب (3/61)، وأسد الغابة لابن الأثير (2/626).

(35) رواه البخاري في “صحيحه” (2/546)ح (1484)، ك: الزكاة، ب: وسْمِ الإمامِ إبلَ الصَّدقةِ بِيَدهِ.

(36) إرشاد الساري (3/84).

(37) الحديبية: بين موقعة الحديبية ومكة المكرمة مرحلة (22كم) وهي غرب مكة المكرمة على طريق جدة(موقع الشميسي اليوم، ويعرف بالحديبية أيضاً ) .فيها بئر، ومسجد الشجرة، وعندها كانت بيعة الرضوان (ذي القعدة 6هـ). ينظر/معجم البلدان(2/233)، وأطلس الحديث النبوي للدكتور شوقي خليل (ص141).

(38) تَنَخَّمَ: نَـخِمَ الرجلُ نَـخَماً و نَـخْماً و تَنَـخَّمَ: دفع بشيء من صَدْرِه أَو أَنفِه، واسم ذلك الشيء النُّـخامةُ‏.

ينظر/السان (2/96).

(39) رواه البخاري في “صحيحه” (2/947)، ك: الشروط ،ب: الشروطِ في الجهادِ، والمصالحةِ معَ أهلِ الحربِ، وكتابةِ الشروط.

(40) إرشاد الساري (4/447).

(41) رواه البخاري في “صحيحه” (4/323) ح، ك: الطب، ب: الرُّقى بالقرآن والمعَوِّذات.

(42) هو: الإِمَامُ الْعَلامَةُ الْحَافِظُ الأَوْحَدُ، شَيْخُ الإِسْلامِ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضُ بنُ مُوسَى بْنِ عِيَاضِ الْيَحْصُبِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ، ثُمَّ السِّبْتِيُّ الْمَالِكِيُّ .وُلِدَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .رحَلَ إِلَى الأَنْدَلُسِ سَنَةَ بِضْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاسْتَبْحَرَ مِنَ الْعُلُومِ، وَجَمَعَ وَأَلَّفَ، وَسَارَتْ بِتَصَانِيفِهِ الرُّكْبَانُ، وَاشْتَهَرَ اسْمُهُ فِي الآفَاقِ.محدث فقيه أصولي، مؤرخ، مفسر، شاعر، توفي سنة (544هـ) من تصانيفه: “الشفاء بتعريف حقوق المصطفى–ط”،و”الإلماع في أصول الرواية والسماع”. ينظر/الديباج لابن فرحون (ص168)، والسير (15/ 37).

(43) إرشاد الساري (8/388).

(44) ينظر بقية المواضع التي ذكر الحافظ فيها التبرك بالصالحين/ارشادالساري(2/80)، و (3/ 556)، و(8/48)،و(9/33)،و (10/ 26).

(45) ينظر/التبرك أنواعه وأحكامه د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع (ص 261).

(46) هو: أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أحمد،الشهير بابن رجب، الإمام الحافظ المحدث، ولد ببغداد سنة 736هـ، وتوفي بدمشق سنة 795هـ.ينظر/ الشذرات (6/339).

(47) رواه أبو داود في “سننه”(4/314) ح (4031)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى”(25/331):”هو حديث جيد”، وهو في “صحيح الجامع”للألباني ح(6149).

(48) الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب الحنبلي (ص54 ـــ 55).

(49) ينظر تعليقات الشيخ في هوامش ما يأتي من فتح الباري” (1/327،522،523و3/115، 144).

(50)   وللشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني كتاب تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد اعتنى فيه ـــ رحمه الله ـــ بما ورد في هذا الأمر من الأحاديث، وهو مطبوع.

(51) هي رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية، أم المؤمنين، أم حبيبة، مشهورة بكنيتها، ماتت سنة. 50هـ، وقيل قبل ذلك رضي الله عنها .الإصابة (2/598).

(52) رواه البخاري في “صحيح” (1/167) ح (430).

(53) ارشاد الساري (2/438) .

(54) فتح الباري بتعليق ابن باز (1/525).

(55) ينظر/ إرشاد الساري (2/452 ـــ 453)

(56) لحديث: (كنُتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ألا فَزُورُهَا…)، رواه مسلم في”صحيحه” بنحوه ـــ مع شرح النووي ـــ (7/46)، ك: الجنائز، والحاكم في “مستدركه” (13/113) ح (1418)، واللفظ له.

(57) الزيارة الشرعية: ما كانت للعبرة وتذكر الآخرة، وللإحسان إلى الميت بالدعاء له إذا كان موحداً، أما إذا كان للتبرك والتمسح بالقبر فهي زيارة بدعية، وإذا كانت لسؤال المقبور، أو التقرب إليه بذبح ونحوه، فهي زيارة شركية. ينظر/ إغاثة اللهفان لابن القيم (ص217 ـــ 219)، ومجموع الفتاوى (27/112).

(58) رواه البخاري في “صحيحه”(9/ 87)ح (3215)، ك: الصلاة، ب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.

(59) في “صحيحه” (9/141) ح (3340)، ك: الحج، ب: لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وبقيته: ( إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ).

(60) ينظر/اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (ص666).

(61) ينظر/المصدر السابق (ص665).

(62) ينظر/ لمعرفة بعض العلماء الأعلام الذين قالوا بمنع شد الرحال إلى القبور: “الدين الخالص” للشيخ محمد صديق حسن (3/590).

(63) رواه الإمام أحمد في “مسنده” (3/64).وفيه شهر بن حوشب حكم عليه الحافظ ابن حجر في “التقريب” (1/355) بقوله: “صدوق كثير الإرسال والأوهام”. وقال عنه في “الفتح” (3/383) ـــ بعد إيراده الحديث ـــ:

      “وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف”.

(64) هو أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي، الشافعي، الفقيه، ولي قضاء دمشق دهراً، وكان ذا عبادة وتقشف، له مصنفات كثيرة، ينظر/البداية والنهاية (14/252)، والشذرات(6/180 ـــ 181) .

(65) وكان ذلك في رد سماه: “شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة” ثم أختار أن يسميه “شفاء السّقام في زيارة خير الأنام” ولم يأت فيه مؤلفه تقي الدين السبكي بشيء يصلح للاعتماد، بل شحنه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، والآثار الواهية المكذوبة، وتحريف النصوص الصحيحة وصرفها عن ظاهرها بالتأويلات المردودة.

(66) إرشاد الساري (2/344).

(67) الشورى، جزء من الآية: 21.

(68) رواه مسلم في “صحيحه” (12/14) ح (4447)، ك: الأقضية، ب: نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور.

(69) رواه الترمذي في “سننه” (7/378) ح (2711)، ك: الإيمان عن رسول الله r، ب: ما جاءَ في افْتِرَاقِ هذِهِ الأمَّة، وقال أبو عيسى الترمذي: “هذا حديثٌ حسنٌ مُفَسَّرٌ غريبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ” .والحاكم في “مستدركه”(1/218-219) ح (444)، وهو جزء منحديث افترا الأمة، وهو بمجموع طرقه تقوم به الحجة.

(70)ذكره الإمام اللالكائي بإسناده في “شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة” (1/154) ح(315)،وأبو نعيم في “حلية الأولياء (6/146)، وابن القيم في “أعلام الموقعين (2/428)، وفي “تلبيس إبليس” لابن الجوزي(ص48).

(71) منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابيه : “قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة” (ص133-141)،وفي “إقتضاء الصراط المستقيم”(2/763-764)،ومنهم الحافظ عبد الهادي في كتابه: “الصارم المنكي في الرد على السبكي” ، والعلامة ناصر الدين الألباني في “سلسة الأحاديث الضعيفة والموضوعة” (1/119-124).

(72) رواه مالك في “الموطأ” (1/3519) ح (414)، ك: قصر الصلاة في السفر، وأحمد في “مسنده” 2/478)ح (7331)، وابــــن أبي شيبة في “مصنفه” (2/296) ح (7526)، وسكت عنه الحافظ في “الفتح” (3/245)، وصححه الألباني في “تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد” (ص25).

(73) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، وبهامشه مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء (2/84-85).

(74) ينظر/التمهيد(1/168)،والمدونة(1/90)، والأم (1/79)، والمغني لابن قدامة (2/58)، والمحلى لابن حزم (4/37)

Spread Islam
Read More

Leave a Reply

*